دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٩١ - الظن في الأمور الاعتقادية
ثم إنه (١) لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلا أو شرعا، حيث إنه ليس بمعرفة قطعا، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن، و مع العجز عنه: كان معذورا إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب، مع قلة الاستعداد كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد، و لو لأجل حب طريقة الآباء و الأجداد، و اتباع سيرة السلف، فإنه كالجبلي للخلف، و قلّما عنه تخلف.
و المراد من المجاهدة في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (*) هو المجاهدة مع النفس؛ بتخليتها عن الرذائل و تحليتها بالفضائل، و هي التي كانت أكبر
(١) الضمير للشأن غرضه بيان قيام الظن مقام العلم بعد الفراغ مما يجب تحصيل المعرفة به عقلا أو شرعا و عدم قيامه مقامه، و مرجعية البراءة في موارد الشك.
و توضيح ما أفاده: أنه قد استدل على كفاية الظن في أصول الدين بوجوه:
الأول: أن الظن معرفة مطلقا، سواء في حال الانفتاح أم الانسداد؛ بحيث تصدق المعرفة عليه كصدقها على العلم، فيكتفى بالظن في الأصول حتى في حال انفتاح باب العلم بها. و فيه ما أشار إليه المصنف بقوله: «حيث إنه ليس بمعرفته قطعا». و حاصله: أن الظن ليس مصداقا للمعرفة الواجبة في بعض الأصول الاعتقادية؛ إذ المعرفة عرفا هي العلم و لا تصدق على غيره، فمع التمكن من تحصيل العلم يجب تحصيله، و لا يجوز الاكتفاء بالظن. و مع عدم التمكن منه: يكون معذورا إن كان العجز عن تحصيل العلم مستند إلى القصور الناشئ عن عدم المقتضي؛ كقلة الاستعداد و غموض المطلب، أو وجود المانع كغفلته و عدم التفاته.
و إن كان العجز عنه مستندا إلى التقصير في الاجتهاد؛ و لو لأجل حب طريقة الآباء:
فإن هذا الحب ربما يوهم كون تلك الطريقة حقا، فيورث الخطأ في الاجتهاد، فهو غير معذور؛ بل مقصر لأجل الحب المزبور الملقى له في الخطأ.
قوله: «كما هو المشاهد ...» الخ. إشارة إلى دفع ما قيل: من عدم وجود القاصر استنادا إلى حصر المكلف في المؤمن و الكافر، و خلود الكافر في النار، و إلى قوله تعالى:
وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا.
و أما دلالة حصر المكلف في المؤمن و الكافر على نفي الجاهل القاصر: فيتوقف على مقدمة و هي: أن هناك ما دل على خلود الكافر في النار، و هناك حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر.
(*) العنكبوت: ٦٩.