دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٩٨ - و لكن جميع هذه الوجوه ممنوعة
٤- كون الملاك في التخيير بين الخبرين اهتمام الشارع بالعمل بالأحكام الشرعية و عدم إهمالها. و من المعلوم: أن المقام أولى بالرعاية من الخبرين للعلم هنا بعدم خلوّ الواقع عن الوجوب أو الحرمة. و هذا بخلاف الخبرين؛ لاحتمال كذبهما، و كون الحكم الواقعي غير مؤداهما. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب المقايسة من ناحية وحدة المناط في بعضها، و الأولوية في بعضه الآخر.
و لكن جميع هذه الوجوه ممنوعة:
أما الأول: فلأنه تخرّص و تحكّم على الغيب، بل بناء على السببيّة لا مجال له كما ستعرف لأن التخيير يكون من باب التخيير بين الواجبين المتزاحمين، و أي ربط لذلك بما نحن فيه.
و أما الثاني: فهو كالأوّل، مع أن نفي الثالث قد لا يقول به الكل، لا بهما- كما يراها الشيخ- لتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية كتبعيتها لها في أصل الثبوت.
و لا بأحدهما- كما يراه صاحب الكفاية- لعدم تصور ما أفاده في تقريبه في محله فراجع. مع أن الكل يرى التخيير و لو لم يتكفل الخبران نفي الثالث.
و أما الوجه الثالث: فلأن الأولوية إنما تتم لو فرض ثبوت الموضوع لكل من الحكمين الواقعيين كثبوته للحكمين الظاهريين، و ليس الأمر كذلك بل هو حكم واقعي مردد بين الحكمين، بخلاف الحكمين الظاهريين، فإن كلا منهما واجد لموضوعه و هو الخبر التام الشرائط.
و كيف كان؛ فقد أجاب المصنف «(قدس سره)» عن هذه المقايسة بأنها مع الفارق، و القياس إذا كان مع الفارق كان باطلا، فهذا القياس باطل.
و توضيح الفرق يتوقف على مقدمة و هي: أن الأخبار إما أن تكون حجة من باب السببيّة، و إما من باب الطريقية.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه على الأول يكون التخيير بين الخبرين المتعارضين على القاعدة؛ لفرض حدوث مصلحة ملزمة في المؤدى بسبب قيام خبر على الوجوب، و حدوث مفسدة ملزمة فيه بقيام خبر آخر على حرمة نفس ذلك المتعلق. و لما كان كل منهما مستجمعا لشرائط الحجية وجب العمل بكل منهما؛ لكن استيفاء المصلحة و الاحتراز عن المفسدة غير مقدور من جهة وحدة المتعلق، فيقع التزاحم بين تكليفين تتعذر موافقتهما، و يستقل العقل بالتخيير حينئذ مع التكافؤ، لما تقرر في محله من أن