دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٢٥ - الاستدلال بالكتاب على البراءة
أحدا إلا بما أعلمه و أوصله إليه من التكليف، فالتكليف الذي لم يصل إلى المكلف مرفوع عنه، فتكون دلالة الآية على البراءة على هذا الاحتمال واضحة.
إلا إن هذا الاحتمال ينافي مورد الآية، فيكون بعيدا عن أن يكون مرادا منها، فالآية أجنبية عن مسألة البراءة؛ لأن كون المراد من الموصول التكليف و إن كان محتملا؛ إلا إن كون المراد من الإيتاء هو الإعلام و إيصال التكليف إلى المكلف ممنوع؛ إذ الإيتاء إنما هو بمعنى الإعطاء أو الإقدار لا الإعلام.
و كيف كان؛ فالظاهر أن المراد من الموصول أحد الأمور الثلاثة:
١- المال.
٢- القدرة.
٣- التكليف.
و على تقدير إرادة الأول و الثاني: يلزم تقدير كلمة «بقدر» أي: لا يكلف الله نفسا إلا بقدر المال الذي أعطاها، أو بقدر القدرة التي أقدرها، و على تقدير إرادة الثالث: يكون معنى الآية: «لا يكلف الله نفسا إلا تكليفا أقدرها»، و على جميع الاحتمالات تكون الآية أجنبية عن مسألة البراءة كما هو واضح.
و منها: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [١] بتقريب: أن إطاعة الحكم المجهول خارجة عن وسع المكلف في نظر عامة الناس، فيكون الحكم المجهول مرفوعا.
هذا معنى البراءة.
و الجواب عنها: أن ظاهر الآية هو نفي التكليف بغير المقدور، و من المعلوم: أن عدم صحة التكليف بغير المقدور من الأمور المسلمة بينهم، فيكون مضمون الآية أجنبيا عن أصالة البراءة؛ إذ ليس الاحتياط بترك ما يحتمل التحريم من التكليف بغير المقدور.
و منها: قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [٢] بتقريب:
أنه ليهلك من ضل بعد قيام الحجة عليه، فتكون حياة الكافر و بقاؤها هلاكا له، و يحيا من اهتدى بعد قيام الحجة عليه، فيكون بقاء من بقي على الإيمان حياة له. و قوله: عَنْ بَيِّنَةٍ أي: بعد بيان و إعلام، و من المعلوم: أن قضية تخصيص الضلال و الاهتداء بما بعد البيان هو عدم الوجوب و الحرمة قبله، و هذا معنى البراءة.
[١] البقرة: ٢٨٦.
[٢] الأنفال: ٤٢.