دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٧٧ - في دفع توهم لزوم الاحتياط في الشبهات التحريمية الموضوعية
و بعبارة أخرى: أن موضوع حكم العقل بقبح المعصية و استحقاق العقوبة عليها هو مخالفة التكليف المنجز المتوقف على إحراز كل من الصغرى و الكبرى، و مع الجهل بالصغرى يكون موضوع قاعدة القبح محققا؛ إذ ليس المناط في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان خصوص بيان الشارع حتى يمنع عن جريان القاعدة في الشبهة الموضوعية من جهة صدور البيان و علم المكلف به؛ بل المناط فيه قبح مؤاخذة من لم يتنجز التكليف في حقه، سواء كان عدم التنجز لعدم بيان الشارع له أصلا؛ كما في الشبهة الحكمية الناشئة من فقد النص أم لإجمال بيانه، أم لمعارضته، أم للشك في تحقق متعلقه، أم في كون الموجود من مصاديق متعلقه كما في المقام، ففي جميع هذه الموارد تقبح المؤاخذة، فتجري قاعدة القبح.
و عليه: فمجرد العلم بالكبريات مثل: «الخمر حرام»، أو «لا تشرب الخمر» غير كاف في تنجز التكليف على المكلف حتى يقال بحكم العقل بلزوم الاجتناب عن الأفراد المشكوكة؛ كحكمه بلزوم الاجتناب عن المصاديق المعلومة. و على هذا: فينحصر امتثال الخطاب في موردين: أحدهما: العلم بفردية المائع الخارجي بخصوصه للخمر المحرم، و الآخر العلم الإجمالي بخمرية أحد الإناءين مثلا. و أما الخمر المشتبه بالشبهة البدوية:
فلا يقتضي نفس الحكم الكلي وجوب الاجتناب عنه؛ بل مقتضى أدلة البراءة جواز ارتكابه، فلو ارتكبه المكلف فهو معذور في مخالفته لو صادف كونه خمرا واقعا. هذا غاية ما يمكن في توضيح التوهم و دفعه.
و ظاهر كلام الشيخ «(قدس سره)» هو: جريان البراءة في الأفراد المشتبهة مطلقا، و المصنف منع هذا الإطلاق، و قال: إنه لا بد في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية من التفصيل بين تعلق الحكم بالطبيعة نحو: «لا تشرب الخمر»، حيث إن المطلوب ترك هذه الطبيعة، و بين تعلق الحكم بالأفراد نحو: «لا تكرم الفساق»، حيث إن المطلوب ترك إكرام كل فاسق، فلا تجري البراءة في الأول فيما لو شك في فرد أنه خمر أم لا؛ بل يجب الاجتناب عنه إلا إذا كان هناك أصل، و تجري في الثاني فيما لو شك في فرد أنه فاسق أم لا فيجوز إكرامه.
و هناك احتمال عدم جريان البراءة في الشبهة الموضوعية مطلقا كما هو مفاد التوهم المذكور.