دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٤٧ - التنبيه الثانى في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء
سائر الأطراف مشكوك فيجري فيها الأصل النافي بلا معارض. و هذا واضح.
و إنما المقصود هنا بيان أن المعتبر في توجه الخطاب إلى المكلف هو إمكان الابتلاء عادة؛ إذ مع عدم إمكان الابتلاء عادة بجميع الأطراف على البدل لا يصح توجه النهي إليه.
إذا عرفت هذه المقدمة فيقال في توضيح الجهة الأولى: إن غرض الشارع من النهي عن فعل إنما هو إحداث المانع في نفس المكلف عن ارتكاب متعلق النهي الواصل إليه، بحيث يستند ترك المنهي عنه إلى النهي، و هذا يتحقق في موردين:
أحدهما: أن لا يكون للمكلف داع إلى الترك أصلا، و إنما حدث الداعي له إلى الترك بزجر الشارع و نهيه.
ثانيهما: أن يكون له داع إلى الترك، و لكن تتأكد إرادة تركه للمنهي عنه بواسطة النهي؛ إذ لو لا الزجر الشرعي ربما كانت وسوسة النفس تحمل المكلف على المخالفة، و توجد فيه حب الارتكاب له. إلّا إنه بعد العلم بخطاب الشارع و بما يترتب على مخالفته من استحقاق العقوبة يقوى داعيه إلى الترك، فيجتنب عن الحرام أو يقصد القربة بالترك، و لو لا نهي الشارع لما تمكن من قصد القربة لتوقفه على وصول الخطاب المولوي إليه.
و من المعلوم: أن داعوية النهي للترك تتوقف على إمكان تعلق إرادة العبد بكل من الفعل و الترك؛ بحيث يمكنه عادة اختيار أيهما شاء، و مع خروج متعلق النهي- كالخمر- عن معرضية الابتلاء به لا يتمكن عادة من الارتكاب، و مع عدم التمكن منه كذلك لا تنقدح الإرادة في نفس المكلف، و مع عدم انقداحها يكون نهي الشارع عن مبغوضه لغوا؛ لوضوح أن ترك الحرام يستند حينئذ إلى عدم المقتضى- و هو الإرادة- لعدم وجود المتعلق حتى يتمكن من إرادة ارتكابه لا إلى وجود المانع و هو زجر الشارع و نهيه، و قد تقرر أن عدم الشيء لا يستند إلى وجود المانع؛ بل إلى عدم مقتضيه؛ لتقدمه الطبيعي على المانع.
و عليه: فالنهي عن فعل متروك بنفسه- مثل شرب الخمر الموجود في إناء الملك مع عدم قدرته عليه عادة- لغو؛ لعدم ترتب فائدته و هي إحداث الداعي النفساني إلى الترك عليه، و اللغو لا يصدر من الحكيم لمنافاته للحكمة؛ بل يكون من طلب الحاصل المحال في نفسه.