دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٨٦ - المقام الثانى الأقل و الأكثر الارتباطيان
إلى الواجبات العقلية، و هي القرب إليه «جل و علا»، فإن التنزه عن القبائح تخلية للنفس عن الرذائل، و فعل الواجبات تكملة و تحلية لها بالفضائل كما يرشد إليه قوله تعالى:
أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، و إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ فالواجب تحصيل اللطف، و هو يتوقف على الإتيان بالأكثر لأنه محصل له قطعا بخلاف الأقل، فإنه يشك معه في تحقق تلك الواجبات العقلية، فلا وجه للاقتصار عليه.
و بعبارة أخرى: أن قوله: «مع أن الغرض الداعي» إشارة إلى الوجه الثاني من المصنف على وجوب الاحتياط عقلا في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.
توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن في كون الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد أقوالا:
الأول: أن مشهور العدلية يقولون: إنها تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، بمعنى:
أن في الصلاة مصلحة ملزمة، و في شرب الخمر مفسدة ملزمة، فوجوب الصلاة تابعة للمصلحة فيها، و حرمة شرب الخمر تابعة للمفسدة فيه.
الثاني: أن بعض العدلية يقول: بأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد فيها لا في متعلقاتها، بمعنى: أن أمر الشارع فيه مصلحة، و كذلك نهيه نظير الأوامر الامتحانية.
الثالث: قول الأشاعرة حيث يقولون بعدم كون الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد أصلا، ثم هناك خلاف آخر في علم الكلام، حيث إن العدلية يقولون: بأن أفعال الله معللة بأغراض، و الأشاعرة ينكرون ذلك.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الأصوليين من العدلية يقولون بوجوب الاحتياط عقلا في موردين:
الأول: في الشك في محصل عنوان المأمور به نحو عنوان الصلاة مثلا، فإذا شك في تحقق عنوان الصلاة المأمور بها عند ترددها بين الأقل و هو تسعة أجزاء، و بين الأكثر و هو عشرة أجزاء مع العلم بتحقق عنوان الصلاة المأمور بها بالأكثر و هو الإتيان بعشرة أجزاء، فيجب الإتيان بالأكثر احتياطا لتحصيل عنوان المأمور به.
الثاني: في الشك في محصل غرض المولى، فإذا شك المكلف في محصل غرض المولى هل هو الأقل أو الأكثر، مع علمه بأن الإتيان بالأكثر محصل للغرض قطعا، فيجب عليه الإتيان بالأكثر احتياطا للعلم بتحصيل غرض المولى.