دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٥١ - في الاستدلال بحديث الحجب على البراءة
ذكر في تقريب الاستدلال بحديث الرفع، بمعنى: أن المراد من الموصول في «ما حجب الله» عاما يعم كل محجوب، سواء كان حكما أو هوية الموضوع، و ليس حديث الحجب مقرونا بشيء يوهم اختصاصه بالشبهة الموضوعية، بخلاف حديث الرفع فإن قرينة السياق كانت موجبة للشك في عموميته.
نعم؛ يمكن أن يقال: إن حديث الحجب على عكس حديث الرفع، بمعنى: أن حديث الرفع بقرينة وحدة السياق ظاهر في الشبهة الموضوعية. و حديث الحجب بقرينة إسناد الحجب إلى الله تعالى ظاهر في الشبهة الحكمية، فإنه يتناسب مع إرادة الحكم الكلي المجهول من الموصول كما لا يخفى.
هذا مجمل الكلام في الاستدلال بحديث الحجب على البراءة.
و أما تفصيل الكلام في توضيح الاستدلال به على البراءة فيتوقف على مقدمة و هي:
شرح مفردات الحديث، و هي الحجب، و العلم، و الوضع.
أما الحجب: فهو لغة بمعنى: الشر، و المحجوب هنا هو الحكم الشرعي المجهول لا الملاكات و المقتضيات، حيث إن وظيفة الشارع من حيث إنه شارع بيان الأحكام، و حجب الحكم يتحقق تارة: بأمره حجبه بعدم تبليغه إلى العباد، و أخرى باختفائه عنهم بعد تبليغه لمعصية العصاة المانعة عن وصوله إلى المكلفين.
و أما العلم: فالمراد به حيث يطلق في الروايات و غيرها هو: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع؛ لا كل اعتقاد جازم و إن كان مخطئا.
و أما كلمة «وضع»: فإن تعدت بحرف الاستعلاء: دلت على جعل شيء على شيء و إثباته عليه، و إن تعدت بحرف المجاوزة: دلت على معنى الإسقاط؛ كقوله تعالى:
وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [١] أي: أسقطها عنهم، و من المعلوم: أن إسقاط شيء كالحق عن الذمة فرع استقراره فيها.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن تقريب الاستدلال بالحديث على البراءة من الوضوح على حد لا يخفى على أحد، حيث إنه يدل على أن الحكم الواقعي المجهول قد وضعه الشارع عن العباد و رفعه عنهم فعلا، فيكون المراد بحجبه: عدم وصوله، سواء كان بعدم بيانه أم بإخفاء الظالمين له، و من الواضح: إن المرفوع ليس نفس الحكم الواقعي المجهول؛ لاستلزامه التصويب، فلا بد أن يكون الموضوع عن العباد إيجاب الاحتياط،
[١] الأعراف: ١٥٧.