دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٠ - فصل في الكشف و الحكومة
و صحة (١) نصبه الطريق و جعله في كل حال بملاك يوجب نصبه و حكمة داعية
(١) إشارة إلى دفع ما يمكن أن يتوهم في المقام من: أنه إذا كان العقل هو الحاكم في باب الإطاعة و المعصية حتى إنه لا يصح للشرع نصب الطريق، فكيف يمكن نصبه للطريق في حال الانفتاح، و أي فرق بين حال الانسداد و حال الانفتاح؟ و هذا ينافي ما تقدم آنفا من كون الظن طريقا عند الانسداد عقلا لا شرعا.
و حاصل الدفع: أن صحة نصب الطريق غير منافية لكون العقل مستقلا في باب الإطاعة؛ إذ ربما ينصب الشارع طريقا للتسهيل بما ليس للعقل نصبه كما لو نصب الشارع الشهرة طريقا، فإن العقل لا يرى للشهرة كشفا عن حكم المولى.
فقوله: «لا تنافي» خبر لقوله: «صحة نصبه». و الحاصل: أن العقل لا يمنع نصب الشارع للطريق، و إنما يمنع عن كون الطريق الذي عينه العقل مجعولا للشارع مولويا، فالعقل يستقل بلزوم الإطاعة «بنحو» الظن «حال الانسداد، كما يحكم بلزومها» أي:
الإطاعة «بنحو آخر» كالقطع «حال الانفتاح ...» الخ.
توضيح التوهم- على ما في «منتهى الدراية، ج ٥، ص ١٦»-: أن عدم قابلية الإطاعة الظنية للحكم المولوي إنما هو فيما إذا لوحظ الظن طريقا لإحراز الواقع بالظن، ضرورة:
أنه لا فائدة حينئذ في هذا الحكم المولوي؛ بعد حكم العقل بلزوم إحراز الحكم الواقعي بالظن، دفعا للعقوبة المحتملة في صورة ترك العمل به.
و أما إذا لوحظ الظن موضوعيا بحيث يترتب المثوبة على موافقته و العقوبة على مخالفته مع قطع النظر عن الواقع كسائر الأحكام الظاهرية، فلا وجه لمنع تعلق الحكم المولوي بالعمل بالظن و استكشاف حكمه من حكم العقل بقاعدة الملازمة.
فالمتحصل: أنه يمكن استكشاف حجية الظن شرعا بقاعدة الملازمة.
و أما الدفع فتوضيحه: أن نصب الطريق لا بملاك إحراز الواقع و إن كان جائزا؛ لكن لا يمكن استكشافه بقاعدة الملازمة، و ذلك لاعتبار وحدة الموضوع في الحكم الشرعي و العقلي في هذه القاعدة كالظلم، حيث إنه موضوع لحكم العقل- أعني: القبح- و هو بنفسه موضوع أيضا لحكم الشرع- أعني: الحرمة- و هذا بخلاف المقام، فإن الظن الملحوظ طريقا صرفا لإحراز الواقع- و هو الموضوع للحجية العقلية- غير الظن الملحوظ طريقا شرعا؛ إذ على التقدير الأول: يكون الفعلي هو الحكم الواقعي، و على الثاني:
يكون الفعلي هو الحكم الظاهري؛ لامتناع فعلية حكمين واقعي و ظاهري معا لموضوع واحد؛ كما عرفت في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.