دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢١٧ - و الفرق بين هذا الوجه و الوجه المتقدم إنما هو لوجهين
و ربما استدل بما قيل: من استقلال (١) العقل بالحظر في الأفعال غير الضرورية قبل
(١) هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين من الدليل العقلي على وجوب الاحتياط.
و الفرق بين هذا الوجه و الوجه المتقدم إنما هو لوجهين:
أحدهما: أن حكم العقل بوجوب الاحتياط على الوجه الأول كان بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل، مع ملاحظة العلم الإجمالي بالتكاليف، بخلاف حكمه به على هذا الوجه، فإنه يكون إما بملاك قبح التصرف في مال الغير بدون إذنه- بناء على الحظر- أو بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل بناء على الوقف، فلا يكون حكمه به بلحاظ العلم الإجمالي بالتكاليف.
و ثانيهما: أن الوجه المتقدم جار في كل شبهة بمقتضى تعميم متعلق العلم الإجمالي للشبهة الوجوبية و التحريمية، بخلاف هذا الوجه فإنه مختص بالشبهة التحريمية.
و قبل توضيح الاستدلال بحكم العقل على هذا الوجه الثاني لا بأس بالإشارة إلى نزاع الحظر و الإباحة في الأشياء؛ لأن صحة الاستدلال بهذا الوجه على وجوب الاحتياط يتوقف على القول بالحظر في مسألة حكم العقل في الأشياء قبل الشرع فنقول: إنهم اختلفوا في حكم العقل بالجواز و عدمه فيما لا يستقل العقل بحسنه و قبحه من الأفعال غير الضرورية على أقوال ثلاثة:
الأول: أن الأصل في الأشياء التي لا يدرك العقل حسنها و لا قبحها و لا مضطر إليها هو الحظر أي: المنع، و أن العقل يحكم بعدم جوازها ما لم يرد رخصة من الشارع فيها، و يعبر عنه بأصالة الحظر، و ذهب إليه طائفة من الإمامية، و وافقهم عليه جماعة من الفقهاء، و نظرهم في ذلك إلى أن الأشياء كلها مملوكة لله تعالى، فلا يجوز التصرف فيها بدون إذنه؛ لعدم جواز التصرف في ملك الغير إلا بإذنه.
الثاني: أن الأصل فيها الإباحة، و أن العقل يحكم بجوازها ما لم يصل من الشارع منع عنها، و يعبر عنه بأصالة الإباحة، و ذهب إليه كثير من متكلمي البصريين و كثير من الفقهاء، و اختاره السيد المرتضى «(قدس سره)»، و نظرهم في ذلك إلى أن كل ما يصح الانتفاع به و لا ضرر فيه عاجلا أو آجلا على أحد فهو حسن؛ إذ ليس الضرر إلا مفسدة دينية أو دنيوية، فلو كان فيه ضرر لوجب على القديم تعالى إعلامنا به، و حيث لم يعلمنا به- حسب الفرض- علمنا إنه ليس فيه ضرر فهو حسن، و حيث كان حسنا كان مباحا و هو المطلوب.
الثالث: أن الأصل فيها الوقف بمعنى: أنه لا حكم للعقل فيها لا بالحظر و لا بالإباحة