دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧٧ - الاستدلال بالعقل على البراءة
و أما (١) ضرر غير العقوبة: فهو و إن كان محتملا؛ إلا إن المتيقن منه فضلا عن محتمله ليس بواجب الدفع (٢) شرعا و لا عقلا، ضرورة (٣): عدم القبح في تحمل
التكليف الإلزامي أعني الحرمة؛ حتى إذا لم نقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإن وجوب دفعه- بحكم العقل- إرشاد إلى عدم الوقوع في مخالفة الحكم الواقعي، و ليس وجوبا مولويا، و من المعلوم: أن ذلك الضرر يترتب على الفعل لو فرض حرمته واقعا؛ كترتب الضرر الدنيوي على شرب ذلك المائع، سواء قلنا: بوجوب دفع الضرر المحتمل أم لم نقل به.
(١) عطف على قوله: «لا احتمال لضرر العقوبة»، يعني: و أما إذا أريد بالضرر الضرر الدنيوي دون العقوبة الأخروية، فهو و إن كان محتملا عند ارتكاب الشبهة التحريمية، و لا يرتفع احتماله بقبح العقاب بلا بيان؛ لكنه لا يجب دفعه.
و قد أجاب المصنف عن توهم وجوب دفعه بوجهين، أشار إلى أولهما بقوله: «إلا إن المتيقن ...» الخ.
و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج ٥، ص ٣١٥»- أن ما لا يكون ترتبه على التكليف مشروطا بتنجز التكليف و وصوله إلى المكلف، بل يترتب على وجود الحكم واقعا و لو لم يصل إليه، لا ينفك احتمال التكليف التحريمي عن احتمال الضرر، و هذا الضرر و إن لم يمكن التخلص عنه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان لكونه أجنبيا عنها بعد فرض الضرر أمرا غير العقوبة الأخروية، لكن لا مجال أيضا للتثبت بقاعدة وجوب الدفع لإثبات لزوم الاجتناب عنه؛ و ذلك لأن شمول الكبرى- و هي وجوب دفع الضرر- للضرر الدنيوي المحتمل ممنوع؛ بل لا دليل على لزوم التحرز عن الضرر الدنيوي المعلوم فضلا عن محتمله؛ إذ لا قبح عقلا في تحمل بعض المضار الدنيوية لبعض الدواعي العقلائية، فإن العقلاء مع علمهم بالضرر يصرفون الأموال و يتحملون المشاق لأجل تحصيل العلم أو كسب المال بالتجارة، و ليست الغاية معلومة الحصول لهم؛ بل ربما لا تكون مظنونة أيضا.
و أما احتمال الضرر: فلا ينفك عن كثير من أفعالهم، و هم لا يعتنون به أصلا و أما تحمل الضرر المعلوم أو المحتمل شرعا: فلا منع فيه، بل قد يستحب في بعض الموارد، و قد يجب في موارد أخرى.
(٢) كما حكى اعتراف الخصم به، و ضميرا «منه، محتمله» راجعان على الضرر غير العقوبة.
(٣) تعليل لعدم وجوب دفع الضرر الدنيوي عقلا. و ضمير «جوازه» راجع على