دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٥٩ - في الاستدلال بحديث السعة
توضيح هذا الجواب يتوقف على مقدمة و هي: إن وجوب الاحتياط إما طريقي و إما نفسي، و الفرق بينهما: أن الوجوب الطريقي معناه أنه يجب الاحتياط؛ لأنه طريق إلى الحكم الواقعي المجهول من الوجوب أو الحرمة، فلا ثواب على موافقة أمر هذا الاحتياط، و لا عقاب على مخالفته؛ لأن الملاك الداعي إلى إيجاب الشارع للاحتياط هو: مجرد حفظ الواقع في ظرف الجهل به.
و أما كون وجوب الاحتياط نفسيا: فمعناه- أنه في ظرف الجهل بالواقع- يجب الاحتياط في نفسه بفعل محتمل الوجوب و ترك محتمل الحرمة، فيترتب الثواب و العقاب حينئذ على موافقة أمر هذا الاحتياط و مخالفته، و ليس الملاك في هذا النحو من الاحتياط النظر إلى الواقع و التحفظ عليه؛ بل الملاك فيه جعل المكلف أشد مواظبة و أقوى عزما على فعل الواجبات و ترك المحرمات.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الإشكال المذكور إنما يتم لو كان إيجاب الاحتياط نفسيا و هو غير ثابت، و لا يتم لو كان إيجابه طريقيا.
و أما وجه عدم تماميته على فرض الطريقية: فلأن العلم بوجوب الاحتياط حينئذ لا يستلزم العلم بالوجوب أو الحرمة الواقعيين؛ حتى يقع المكلف في ضيق منهما.
و بعبارة أخرى: أن إيجاب الاحتياط- بناء على طريقيته- و إن كان وظيفة فعلية، لكنه لا يوجب العلم بالواقع حتى يرفع موضوع حديث السعة- و هو الجهل بالحكم الواقعي- بل الحكم الواقعي باق على مجهوليته، فلا يكون إيجاب الاحتياط رافعا لموضوع حديث السعة ليقدم دليله عليه ورودا أو حكومة- كما يقول الشيخ «(قدس سره)»- بل هما متعارضان؛ لظهور حديث السعة في الترخيص من ناحية الإلزام المجهول، فالمكلف في سعة منه، و ظهور دليل الاحتياط الطريقي في أن إيجابه إنما هو لأجل التحفظ على الإلزام المجهول، فالمكلف في ضيق منه فهما متعارضان، و المرجع فيهما قواعد التعارض.
و أما وجه تمامية الإشكال:- على فرض كون إيجاب الاحتياط نفسيا- فلأن المكلف بعد العلم بوجوب الاحتياط يقع في ضيق لأجله؛ لكونه حينئذ مما يعلم، فيكون رافعا لموضوع حديث السعة فيقدم عليه، و لا يقع في الضيق من أجل الحكم الواقعي المجهول حتى يعارض الحديث؛ لأن وجوب الاحتياط- حسب الفرض- حكم نفسي ناش من ملاكه، و ليس ناشئا من الواقع المجهول، و حينئذ: فمع العلم بالوظيفة الفعلية لا يبقى