دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧٥ - الاستدلال بالعقل على البراءة
و لا يخفى: أنه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا
و التحقيق في الجواب عن الإشكال يقتضي التكلم في مقامين:
المقام الأول: هو تقريب الإشكال.
المقام الثاني: توضيح الجواب.
و أما المقام الأول:- أعني: تقريب الإشكال فيتوقف على مقدمة و هي: أن في المقام قاعدتين عقليتين:
الأولى: هي قبح العقاب بلا بيان.
الثانية: هي وجوب دفع الضرر المحتمل.
و القاعدة الأولى: و إن كانت من المستقلات العقلية كما تقدم؛ إلا إن المقام- و هو الشبهة بعد الفحص- يكون صغرى للقاعدة الثانية، و ذلك لوجود احتمال الضرر الناشئ عن احتمال الحرمة.
فالقاعدة الثانية:- و هي وجوب دفع الضرر المحتمل- تصلح للبيانية، لأن المراد بالبيان الرافع لموضوع القاعدة الأولى ليس خصوص الطريق الشرعي على الواقع كخبر الواحد؛ بل المراد به كان كل ما يكون صالحا لتنجيز الخطاب، و رافعا لقبح المؤاخذة على مخالفة التكليف أعم من الواقعي و الظاهري و الشرعي و العقلي، و بهذا المعنى العام تكون القاعدة وجوب الدفع بيانا يرتفع به موضوع قاعدة القبح.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل تكفي أن تكون بيانا لوجوب الاحتياط في محتمل الحرمة، فتسقط قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها، فلا يمكن الاستدلال بها على البراءة. هذا تمام الكلام في المقام الأول، أعني:
تقريب الإشكال.
و أما المقام الثاني:- و هو توضيح الجواب- فيتوقف أيضا على مقدمة و هي: أن الضرر المحتمل الذي يجب دفعه بحكم العقل إما أن يراد به الضرر الأخروي أعني: العقاب، أو الضرر الدنيوي.
إذا عرفت هذه المقدمة القصيرة فاعلم: أن قاعدة وجوب الدفع غير ثابتة في المقام؛ إذ هي مركبة من صغرى و هي احتمال الضرر- و كبرى و هي وجوب دفع الضرر المحتمل، فإذا كان المراد من الضرر المحتمل الضرر الأخروي: فلا صغرى لها، و إذا كان المراد منه الضرر الدنيوي: فلا كبرى لها؛ لأن الضرر الأخروي معلوم الانتفاء بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان. هذا معنى انتفاء الصغرى.