دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٨٥ - و أما تقريب الاستدلال بالطائفة الأولى على وجوب الاحتياط
و الجواب: إن القول بالإباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم؛ لما دل على الإباحة من النقل و على البراءة من حكم العقل، و معهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا، و لا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى.
الترخيص في محتمل الحرمة حكم ظاهري ثابت بأدلة قطعية، بل القول بغير علم صادق في الحكم بوجوب الاحتياط لعدم دليل عليه.
و أما تقريب الاستدلال بالطائفة الثانية على وجوب الاحتياط: فلأن ارتكاب الشبهة التحريمية يكون من الإلقاء في التهلكة، فيكون محرما، فلا بد من الاحتياط في المشتبه، و هو المطلوب.
و أما الجواب عنها: فلأن المراد من التهلكة: إن كان هو العقاب الأخروي فهو منفي بدليل البراءة، فدليل البراءة وارد على الآية كوروده على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.
و إن كان هو الضرر الدنيوي: فمضافا إلى كون الشبهة موضوعية لا يجب فيها الاحتياط، فإنه ليس كل ضرر دنيوي يعدّ تهلكة؛ بل التهلكة ما يؤدي إلى الموت، و من المعلوم: أن المحرمات المحتملة لا يحتمل فيها الضرر بهذا المعنى.
و أما تقريب الاستدلال بالطائفة الثالثة على وجوب الاحتياط: فلأن الاجتناب عن محتمل الحرمة من التقوى، و كل ما كان كذلك واجب ينتج: «الاجتناب عن محتمل الحرمة واجب».
و أما الجواب عنها: فلأن ارتكاب محتمل الحرمة لا يكون منافيا للتقوى؛ لأن التقوى عبارة عن ترك ما نهى الشارع عنه، و فعل ما أمر به.
و أما محتمل الحرمة الذي لا يوجد دليل على حرمته و رخص الشارع على ارتكابه:
فارتكابه لا ينافي التقوى. هذا مضافا إلى أن آيات التقوى تدل على استحباب الاتقاء، فتكون خارجة عن المقام؛ لأن النزاع إنما هو في وجوب الاحتياط. و أما استحبابه فهو مورد للاتفاق.
فالمتحصل: أنه بعد دلالة الدليل العقلي و النقلي على البراءة لا يكون فعل محتمل الحرمة مخالفا للتقوى، و لا موجبا للتهلكة بمعنى العقوبة، و لا الحكم بجواز ارتكابه قولا بغير علم.
و لهذا يقول المصنف «(قدس سره)»: «إن القول بالإباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم ...» الخ.