دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٨١ - الاستدلال بالعقل على البراءة
و أنه (١) كالإقدام على ما علم مفسدته؛ كما استدل به شيخ الطائفة «(قدس سره)» على أن الأشياء على الحظر أو الوقف (*).
قلت: استقلاله بذلك (٢) ممنوع، و السند شهادة الوجدان و مراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل و الأديان، حيث إنهم لا يحترزون مما لا تؤمن مفسدته، و لا يعاملون معه (٣) ما علم مفسدته.
دفعه، فتكون هذه الكبرى بيانا للمشكوك و صالحة لرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
فالمتحصل: نعم احتمال الوجوب لا يلازم احتمال المنفعة، و احتمال الحرمة لا يلازم احتمال المضرة و لا العقاب الأخروي؛ «و لكن العقل يستقل بقبح الإقدام ...» الخ. و هذا المقدار كاف في حكم العقل بلزوم الاجتناب عن محتمل الحرمة الملازم لاحتمال المفسدة، فإن المفسدة المحتملة مما لا يجوز الإقدام عليها، كما لا يجوز الإقدام على المفسدة المعلومة.
(١) عطف على «قبح»، و ضميره راجع على الإقدام، أي: و بأن الإقدام على «ما لا تؤمن مفسدته كالإقدام على ما علم مفسدته» في القبح عقلا.
(٢) أي: استقلال العقل بقبح الإقدام على محتمل المفسدة، و أنه كالإقدام على معلوم المفسدة ممنوع. هذا جواب عن الإشكال المذكور.
و حاصل الجواب: أن ما ذكر من الحكم العقلي ممنوع لشهادة الوجدان، و جريان عادة العقلاء على عدم التحرز عن محتمل المفسدة، و لزوم التحرز عن معلومها، فإنهم يركبون أمواج البحار و يقتحمون أهوال البراري و القفار للتجارة و غيرها، مع احتمال الغرق و غيره من الأخطار؛ لا مع العلم به.
هذا مضافا إلى إذن الشارع في الإقدام على المفسدة المحتملة في الشبهات الموضوعية، بمثل قوله «(عليه السلام)»: «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»، فلو كان الإذن في الإقدام عليها قبيحا كقبح الإقدام على المفسدة المعلومة لم يأذن فيه؛ لأن الإذن في الإقدام على القبيح قبيح، و يمتنع صدور القبيح عن الحكيم تعالى.
فصدور الإذن فيه منه تعالى يشهد بعدم قبحه، فلا أصل للقاعدة المذكورة.
(٣) أي: مع ما لا تؤمن مفسدته.
(*) عدة الأصول ٢: ٧٥٠.