دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٠٢ - و لكن جميع هذه الوجوه ممنوعة
العقاب بلا بيان. فإنه لا قصور فيه- هاهنا- و إنّما عدم تنجز التكليف لعدم التمكن (١) من الموافقة القطعية كمخالفتها، و الموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة، كما لا يخفى.
الأمر بين طرفي العلم الإجمالي قد بيّن الحكم، فقد يكون متعلق الحكم الواحد مرددا بين اثنين، و قد يكون الشيء الواحد مرددا بين حكمين، و في كليهما قد بيّن الحكم في الجملة، «فلا قصور فيه» أي: في البيان.
(١) و عدم التمكن غير عدم البيان، و لذا نرى وجود البيان فيما لو دار الأمر بين وجوب هذا و حرمة ذلك، فإن العقل يرى ذلك بيانا و موجبا لإتيان محتمل الوجوب و ترك محتمل الحرمة؛ إذ لا فرق بين تردّد الحكم بين الوجوب و الحرمة، مع وحدة الموضوع المردد فيه- كما في المقام- أو مع تعدد الموضوع كما في مورد العلم الإجمالي بوجوب شيء أو حرمة شيء آخر، في وجود البيان و وجوب الاحتياط.
و كيف كان؛ فقوله: «فإنه لا قصور فيه ...» الخ. ردّ على القول بجريان البراءة العقلية في المقام.
و توضيح الردّ: يتوقف على مقدمة و هي: أن تنجّز التكليف المصحح للعقوبة على مخالفته- يتقوم بأمرين:
أحدهما: وجود البيان على الحكم الشرعي و لو كان إجماليا،
و ثانيهما: قدرة المكلف على الموافقة القطعية، سواء كانت تفصيلية أم إجمالية، كالصلاة إلى أربع جهات.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه بانتفاء أحد الأمرين و إن كان ينتفي تنجّز التكليف، و مقتضى انتفائه جريان قاعدة القبح؛ إلا إن القاعدة مع ذلك أيضا لا تجري هنا؛ لا لعدم البيان إذ البيان موجود، لغرض العلم بالتكليف و لو إجمالا و هو مطلق الإلزام، و لذا يكون منجزا إذا تعلق بأمرين كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال و حرمة شرب التتن، فإن الاحتياط حينئذ بفعل الدعاء و ترك الشرب لازم؛ بل عدم جريانها إنما هو لعدم التمكن من الامتثال القطعي مع وحدة المتعلق بالاحتياط بالجمع بين التكليفين، لامتناع الجمع بين الفعل و الترك، ضرورة: أنهما نقيضان؛ كعدم التمكن من المخالفة القطعية لاستحالة ارتفاع النقيضين، و إلا فالبيان و هو العلم بلزوم الفعل أو الترك موجود؛ لكن لما كان متعلقهما واحدا لم يؤثر العلم المذكور في نظر العقل، فيسقط عن المنجزية، بخلاف ما إذا تعدد المتعلق حيث يكون الاحتياط ممكنا.
و الحاصل: أن قبح العقاب في المقام مسلّم؛ لكنه ليس لأجل عدم البيان بل لعدم