دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧٤ - الاستدلال بالعقل على البراءة
المجهول، بعد الفحص و اليأس عن الظفر بما كان حجة عليه، فإنهما (١) بدونها عقاب بلا بيان، و مؤاخذة بلا برهان، و هما قبيحان بشهادة الوجدان.
حكم العقل بقبح العقاب؛ بل إذا تفحص عنه و لم يكن هناك بيان فعند ذلك يستقل العقل بقبح العقاب و إن احتمل وجود بيان في الواقع لا يمكن الوصول إليه و لو بالفحص.
و الوجه في ذلك: التكليف بوجوده الواقعي لا يكون محركا للعبد لا بعثا و لا زجرا.
بل الانبعاث نحو الفعل و الانزجار عنه إنما هما من آثار التكليف الواصل المنجز و هو مدار الإطاعة و المعصية.
إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف بعد فحصه موارد وجود التكليف فحصا كاملا، و عدم وجدانه دليلا عليه، فيكون- حينئذ- معذورا عند العقل في عدم امتثال التكليف المجهول؛ لأن فوت التكليف- حينئذ- مستند إلى عدم البيان الواصل إليه من المولى؛ لا إلى تقصير من العبد.
و لا فرق في استقلال العقل بقبح العقاب هنا بين عدم البيان أصلا و بين عدم وصوله إلى العبد و اختفائه عليه بعد الفحص عنه في مظانه بقدر وسعه.
و بالجملة: فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تامة بلا شبهة و إشكال.
(١) أي: فإن العقوبة و المؤاخذة بدون الحجة عقاب بلا بيان. و ضمير «عليه» راجع على التكليف المجهول. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.
و أما الجهة الثانية: فالمشهور بينهم- كما ذكره «(قدس سره)»-: أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفع موضوع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل؛ إذ مع حكم العقل بقبح العقاب مع عدم وصول التكليف إلى العبد لا يبقى احتمال الضرر كي يجب دفعه بحكم العقل. هذا ما أشار إليه بقوله: «أنه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة ...» الخ.
و أشكل عليه بإمكان العكس؛ بأن تكون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل رافعة لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فتسقط قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها، و هو عدم البيان. هذا ما أشار إلى دفعه المصنف بقوله: «و لا يخفى أنه مع استقلاله بذلك»، أي: بقبح العقاب بلا بيان؛ «لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته» أي: مخالفة التكليف المجهول؛ بل المؤاخذة تكون معلومة العدم، و الضرر معلوم الانتفاء.
فمقصود المصنف «(قدس سره)» من هذا الكلام: هو دفع إشكال العكس.