دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٩٢ - الظن في الأمور الاعتقادية
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن انضمام حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر، مع ما دل على خلود الكافر في النار ينتج: أن يكون كل كافر إما عالما أو جاهلا عن تقصير، فحينئذ: ما تراه قاصرا عاجزا عن العلم قد يمكن عليه تحصيل العلم بالحق؛ و لو في زمان ما و إن صار عاجزا قبل ذلك أو بعده، و العقل لا يقبح عقاب مثل هذا الشخص.
و أما قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا على نفي الجاهل عن قصور:
فلأن الآية المباركة تدل على انفتاح الطريق إلى معرفة الحق في جميع الحالات، و الطريق هو الجهاد في سبيل الوصول إلى الحق، فقد وعد الله تعالى في هذه الآية: أن كل من جاهد في الحق و تفحص عنه يهتدي إلى سبيل الهداية و يصل إلى مطلوبه و هو الحق.
فالمتحصل: أن الآية المباركة تدل على أن من جاهد في سبيله تعالى بتحصيل المعرفة به و بأنبيائه و أوصيائه «(عليهم السلام)» فقد هداه الله تعالى و جعل له مخرجا، فالمكلف إما عالم مؤمن و هو المجاهد في سبيل ربه لتحصيل المعرفة، و إما جاهل مقصر كافر، و هو التارك للمجاهدة بتحصيل المعرفة، فلا وجود للقاصر.
و حاصل جواب المصنف «(قدس سره)» عن الأول- و هو حصر الناس في المؤمن و الكافر- وجود القاصر في أصول الدين كما هو المشاهد و المحسوس «في كثير من النساء» و الأطفال في أوائل البلوغ؛ «بل الرجال»، و لذا قال الشيخ «(قدس سره)»: «و لكن الذي يقتضيه الإنصاف: شهادة الوجدان بقصور بعض المكلفين»، إلى أن قال: «مع ورود الأخبار المستفيضة بثبوت الواسطة بين المؤمن و الكافر» [١]، و تركنا ذكر تلك الأخبار رعاية للاختصار.
و أما الجواب عن آية المجاهدة: فلأنه ليس المراد من المجاهدة الواردة في الآية النظر و الاجتهاد في تحصيل العلم و المعرفة؛ بل هو المجاهدة مع النفس التي هي أكبر من الجهاد مع الكفار، كما في حديث أن رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» قال لأصحابه:- بعد رجوعهم من محاربة المشركين- «قد بقي عليكم الجهاد الأكبر». قالوا: و ما هو يا رسول الله؟ قال: «الجهاد مع النفس» [٢]. فالآية أجنبية عن المقام.
و كيف كان؛ فليس المراد من المجاهد في الآية المباركة: النظر و الاجتهاد في المطالب
[١] فرائد الأصول ١: ٥٧٦.
[٢] الكافي ٥: ٣٨٢، أمالي الصدوق: ٥٥٣/ ٧٤٠، و بلفظ: «مجاهدة العبد هواه»؛ كما في فيض القدير ٤: ٦٦٩/ ٦١٠٧، أو «جهاد القلب» كما في كشف الخفاء ١: ٤٢٤/ ١٣٦٢.