تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٩ - ٢٨ تحويل القبلة من بيت المقدس الى الكعبة
من علامات الايمان و التسليم، و الاخلاص و الوفاء للدين الجديد.
بينما كانت مخالفته علامة قوية من علامات النفاق و التردّد كما يصرّح القرآن الكريم بنفسه بذلك اذ يقول:
«وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» [١].
و من المسلّم أنه يمكن الوقوف على حكم اخرى لهذا الأمر (أي صرف القبلة من الشام الى الكعبة) إذا تتبعنا تاريخ الاسلام بشكل أوسع، و طالعنا أوضاع شبه الجزيرة العربية.
(١) و يمكن الاشارة الى بعض هذه الحكم مضافا الى ما ذكرناه:
(٢) أولا: أن الكعبة التي رفعت قواعدها على يدي بطل التوحيد و ناشر لوائه النبيّ العظيم «ابراهيم الخليل» ((عليه السلام)) كانت موضع احترام و تقديس من المجتمع العربي، فقد كان العرب يحبون الكعبة و يعظمونها غاية التعظيم على ما هم عليه من الشرك و الفساد، فكان اتخاذه قبلة من شأنه كسب رضا العرب، و استمالة قلوبهم، و ترغيبهم في الاسلام تمهيدا لاعتناق دين التوحيد و نبذ الاوثان و الاصنام.
و أيّ هدف، و أية غاية ترى أسمى و أجلّ من أن يؤمن المشركون المعاندون المتخلفون عن ركب الحضارة و المدنية، و ينتشر الاسلام بسببهم في كل أنحاء العالم.
(٣) ثانيا: أن الابتعاد عن اليهود الذين لم يكن يؤمل في إذعانهم للاسلام، و ايمانهم برسالة (محمّد) ذلك اليوم كان يبدو أمرا ضروريا، لأنهم كانوا يقومون بأعمال ايذائية ضد الاسلام و المسلمين و يطلعون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه
[١] البقرة: ١٤٣. و يمكن بيان هذه العلة بصورة أخرى و هي إنما أمر بالصلاة الى بيت المقدس لأن مكة و بيت اللّه الحرام كانت العرب آلفة بحجها فأراد اللّه أن يمتحن بغير ما آلفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. (راجع مجمع البيان: ج ١ ص ٢٢٢ و ٢٢٣).