تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٥٣ - ٤٨ غزوة ذات السلاسل
الظفر و الانتصار.
فللدّول الكبرى اليوم أجهزة طويلة و عريضة، و تشكيلات واسعة، و معقّدة لإعداد و تخريج الجواسيس البارعين، و إرسالهم إلى النقاط و المراكز المطلوب اكتشاف أسرارها، و التعرف على أوضاعها و خصوصياتها، و ترصد هذه الدول ميزانيات ضخمة لهذا الغرض [١].
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوّل من ابتكر في تاريخ الاسلام هذا العمل في صورته المنظّمة، و تبعه في ذلك الخلفاء الذين جاءوا من بعده، و بخاصّة الامام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي كان يستعين بجواسيس و عيون كثيرين في مجالات مختلفة، عسكرية، و إدارية.
فكان (عليه السلام) إذا نصب واليا على بلد، جعل عليه عينا يراقب أعماله و تصرّفاته، و يخبر الإمام بها أوّلا بأوّل، فكان الإمام يكتب إلى ذلك الوالي، و يوبّخه على تصرفاته و انحرافاته إن بلغه شيء من ذلك [٢].
(١) و لقد كلّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في السنة الثانية ثمانية رجال من المهاجرين، بالتوجّه تحت إمرة «عبد اللّه بن جحش» إلى موضع معين، و النزول فيه، للتعرف على نشاطات قريش، و مؤامراتهم.
و قد كان عدم مفاجأة قريش للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في معركة «احد» و خروجه المبكّر من المدينة بقواه، و جنوده، و النزول في منطقة مناسبة عسكريا خارجها، و حفره المبكّر أيضا للخندق المعروف في شمال المدينة، و الذي منع العدو (جيش الأحزاب) من اقتحام المدينة المنوّرة، كل ذلك كان نابعا من معرفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المسبقة و الدقيقة بأسرار العدوّ، و نواياه،
[١] راجع: كتاب: المخابرات و العالم و غيره.
[٢] راجع: نهج البلاغة قسم الرسائل و الكتب، رقم ٣٣ و ٤٥ و كتاب الغارات.
هذا و قد بحثنا موضوع الاستخبارات و التجسس في النظام الاسلامي بصورة مسهبة في كتابنا: معالم الحكومة الاسلامية، فراجع.