تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٤٧ - تقييم عاجل لصلح الحديبية
(١) لقد رأت قريش بام عينيها كيف أنه (صلّى اللّه عليه و آله) خالف في عقد ميثاق الصلح آراء جماعة من أصحابه، المعارضة لبعض بنود الاتفاقية رغبة منه في تحقيق السلام، و كيف آثر الحفاظ على حرمة المسجد الحرام على هواه، و رغبته الشخصية.
إن هذا النوع من السلوك أبطل مفعول جميع الدعايات السيئة التي كانت تروّج ضد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مواقفه و خلقه، و أفكاره و اثبتت للجميع أنه حقا رجل سلام، و داعية خير للبشرية، و أنه حتى لو سيطر على مقاليد الجزيرة العربية، لما عامل أعداءه الّا بالحسنى و اللطف، لأنه لم يكن مشكوكا فيه بأنه لو كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يخوض حربا ضد قريش في ذلك اليوم لغلبها و هزمها شر هزيمة كما يصرح بذلك القرآن الكريم أيضا اذ يقول:
«وَ لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً» [١].
(٢) و مع ذلك أبدى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تسامحا كبيرا، و أعلن عن عطفه، و حنانه للمجتمع العربيّ، و بذلك أبطل كل الدعايات التي كانت تروّج ضدّه، و ضدّ دعوته العظيمة المباركة.
من هنا نهتدي إلى مغزى ما قاله الامام الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن أهمية هذا الصلح حيث قال:
«و ما كان قضية أعظم بركة منها» [٢].
إن الحوادث اللاحقة أثبتت أن اعتراض عدد ضئيل من صحابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و في مقدمتهم عمر بن الخطاب على هذا الصلح كان باطلا و لا مبرر له.
و قد أدرج أرباب السير و التاريخ جميع هذه الاعتراضات، كما تنقل ردّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليها، و يمكن للوقوف عليها مراجعة السيرة النبوية
[١] الفتح: ٢٢.
[٢] الكافي: ج ٨ ص ٣٢٦.