تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١١ - أوّل عمل ايجابيّ للنبيّ في المدينة عقد ميثاق تعايش بين المسلمين و غيرهم
(١) و لقد كانت مجالس الدرس و التعليم في مسجد المدينة على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تتسم بروعة كبيرة بحيث عند ما شاهد وفد ثقيف مشهدا من مشاهدها انبهروا به، و عجبوا بشدة لاهتمام المسلمين بتعلم الاحكام و اكتساب المعارف و العلوم [١].
كما انه كانت تمارس الامور القضائية و الفصل بين الخصومات، و اصدار الحكم على المجرمين في المسجد، فكان المسجد يومذاك بمنزلة محكمة (بكل معنى الكلمة) أي أنها تقوم بكل ما تقوم بها المحاكم اليوم.
هذا مضافا إلى أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يلقي خطبه الحماسية و الجهادية لتعبئة المسلمين من أجل مجاهدة الكفار و المشركين في المسجد.
(٢) و لعل من حكمة الاجتماع في المسجد لاجل تحصيل المعارف و تعلم العلوم هو أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أراد بذلك أن يثبت عمليا أن العلم و الدين توأمان لا ينفكان فكلما كان هناك مركز للايمان وجب ان يكون محلا للعلم أيضا.
و أما ممارسة القضاء و القيام بالخدمات الاجتماعية، و اتخاذ القرارات العسكرية في المسجد فقد كان لأجل أن يعلن للجميع بأن دينه ليس مجرد أمر معنوي لا يتصل بالامور الدنيوية و لا تهمه قضايا الحياة و شئون المعيشة المادية، بل هو دين شامل كامل لا يحض الناس على التقوى، و لا يدعوهم إلى الايمان إلّا و يهتم أيضا بشئونهم المعيشية و إصلاح أوضاعهم الاجتماعية. فليس هو بالتالي يهتمّ بجانب و يغفل جانبا، بل هو دين شامل جامع يتكفل الأمور المادية و المعنوية معا.
(٣) و لقد كان هذا التلاقي و الانسجام (بين العلم و الإيمان) محطّ اهتمام المسلمين و نصب أعينهم دائما حتى بعد ما اتخذت المراكز التعليمية و المؤسسات العلمية البحتة شكلا مستقلا و صار لها محل خاص تدرس فيه، فانهم ظلوا يبنون
[١] تاريخ الخميس: ج ٢ ص ١٣٦.