تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٩٥ - التقوى في ظروف المخمصة الشديدة
(صلّى اللّه عليه و آله) أمام عيون المئات من جنوده الجياع:
«أخرجها من العسكر ثم صح بها و ارمها بحصيات فإنّ اللّه عزّ و جلّ سيؤدّي عنك أمانتك».
ففعل الراعي ما أمره به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خرجت الغنم إلى صاحبها حتى دخلت الحصن كأنّ سائقا يسوقها، و قد قاتل ذلك اليهودي إلى جانب المسلمين حتى استشهد [١].
(١) أجل لم يكتسب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لقب «الامين» من قومه في فترة شبابه فقط بل كان أمينا في جميع الحالات و الظروف و هو القائل:
«ما من شيء كان في الجاهلية إلّا هو تحت قدمي إلا الامانة فانها مؤداة إلى البر و الفاجر» [٢]، و قد بقي تردد القطعان حرا طوال مدة الحصار و لم يفكر و لا واحد من المسلمين بأخذ غنم منها لأنهم تعلّموا الأمانة و التقوى و الصدق و الورع من معلّمهم الاكبر «محمّد» الصادق الأمين (صلّى اللّه عليه و آله).
نعم غلب الجوع الشديد على العسكر ذات يوم حتى كادوا أن يهلكوا فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأن تؤخذ شاتان من غنم اليهود اضطرارا، و اطلق البقية لتدخل الحصن بامان [٣]، و لو لا ذلك الاضطرار الذي يباح معه المحذور بقدره لما سمح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك، و لما رأى جوع أصحابه و تضوّرهم من شدّة السغب دعا قائلا:
«اللّهم انّك قد عرفت حالهم و ان ليست بهم قوة، و ان ليس بيدي شيء اعطهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، و أكثرها طعاما» [٤].
[١] السيرة النبوية: ج ٢ ص ٣٤٤ و ٣٤٥. امتاع الاسماع: ج ١ ص ٣١٢- ٣١٣.
[٢] مجمع البيان: عند تفسير قول اللّه تعالى: «وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ...».
[٣] السيرة النبوية: ج ١ ص ٣٣٥- ٣٣٦.
[٤] السيرة النبوية: ج ٢ ص ٣٢٢.