تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٥٨ - رسول النبي
الروم الشرقية التي كان مركزها يومذاك «القسطنطنية» و كانت تسيطر على الشام و مصر، فكانت تسيطر أبان ظهور الاسلام على قدر كبير من مقاليد السياسة العالمية إلى أن فتحت القسطنطنية عام (١٤٥٣) على يد السلطان محمّد الثاني «محمّد الفاتح»، و بذلك غربت شمس دولة الروم الشرقية، و اضمحلّت نهائيا.
(١) و قد كانت أرض الحجاز محاصرة بين هذين القطبين و محاطة بهاتين القوتين العظيمتين، و لكن حيث أن أراضي الحجاز لم تكن أراض خصبة، و كان أهلها في الأغلب من الرحّل المتفرقين في البراري و القفار، لذلك لم تبد كلتا الامبراطوريتين رغبتهما في الاستيلاء على تلك الأراضى، فقد كانت النخوة و الظلم، و الحروب التي اتسمت بها طبيعة و حياة تينك الدولتين تمنعهما من الاطلاع على أي تغيير اجتماعي أو تحول سياسي يقع في هذه المنطقة من العالم.
فهم لم يكونوا يتصوّرون قط أن يتمكن شعب- كان بعيدا عن روح الحضارة و المدنية- من وضع نهاية لإمبراطوريّتهم، بفضل ما أوتوا من ايمان، و إنارة النقاط التي كانت ترزح في ظلام جور السلطات الرومية و ظلمها بنور الإسلام المشرق، و لو كانوا يعرفون شيئا عن هذه النهضة المشرقة و هذا الانفجار المعنوي العظيم في بدء حدوثه لقضوا عليه في أوّل الأمر، و لم يتركوه يمتد إلى ملكهم، و يقلب كل شيء رأسا على عقب.
(٢)
رسول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أرض الروم:
كان قيصر الرّوم قد عاهد اللّه إذا غلب الفرس أن يسير الى بيت المقدس من عاصمته: «القسطنطنية» مشيا على القدم للزيارة، شكرا للّه، و قد وفى بنذره هذا بعد انتصاره على إيران، و سار مشيا على القدم إلى بيت المقدس.
فكلّف «دحية الكلبي» بإيصال كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى قيصر، و كان دحية قد سافر مرارا الى الشام، و كان عارفا بمناطقها و عاداتها معرفة كاملة، و كان إلى ذلك جميل الصورة حسن السيرة، و لهذا كان جديرا بتحمل هذه