تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٥٢ - استخبارات المسلمين ترفع تقريرا للقيادة
الأرض.
و لكي يتم هذا الامر بنظام و سرعة جعل على كلّ عشرين خطوة، و ثلاثين خطوة جماعة من المهاجرين و الانصار يحفرونه، فحملت المساحي و المعاول، و بدأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نفسه و أخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، و عليّ (عليه السلام) ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عيي [١] و هو يقول:
«لا عيش إلّا عيش الآخرة، اللّهم اغفر للأنصار و المهاجرة».
(١) و قد كشف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعمله هذا عن جانب من نهج الاسلام و اسلوبه، و في ذلك تنشيط الامة و تقوية لعزائمهم في مجال القيادة و اخلاق القائد، و أفهم المجتمع الاسلامي أنّ على القائد الاسلاميّ، و على إمام الامة أن يشارك الناس في آلامهم كما يشاركهم في آمالهم و يسعى أبدا الى التخفيف عن كاهلهم بمشاركته العملية في الأعمال، و لهذا لما نظر الناس إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يحفر نشطوا و اجتهدوا في الحفر، و نقلوا التراب، و لما كان اليوم الثاني بكّروا في العمل، و كان ذلك النشاط العظيم عاملا في أن يندفع يهود بني قريظة أيضا إلى مساعدتهم فأعاروهم المساحي و الفؤوس و الأوعية الكبيرة لنقل التراب [٢].
و كان المسلمون يومئذ يعانون من نقص و ضيق شديدين في المواد الغذائية، و مع ذلك كان أصحاب المكنة و الثراء من المسلمين يمدّونهم بالطعام و غيره [٣].
و ربما عرضت للمسلمين و هم يحفرون في الخندق صخرة عظيمة عجزوا عن كسرها و إزالتها، فأخبروا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك فأخذ معولا فكسرها و أزالها.
[١] و جاء في تاريخ الخميس: ج ١ ص ٤٨٩ انه (ص) كان ينقل التراب حتى اغبرّ بطنه.
[٢] السيرة الحلبية: ج ١ ص ٣١١.
[٣] السيرة الحلبية: ج ١ ص ٣١٢.