تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢١٨ - ١- تحريم الخمر
اذا مت فادفني الى جنب كرمة--تروّي عظامي بعد موتي عروقها
[١] من هنا اعتبر القرآن الكريم اتخاذ الخمر من التمور و الاعناب- في مجتمع كان تعاطي الخمر جزء أساسيا من حياته- مخالفا للرزق الحسن، و بذلك ايقظ العقول العافية، إذ قال:
«وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً» [٢].
(١) إنّ القرآن أعلن- في المرحلة الاولى من مراحل النهي عن تعاطي الخمر- أن اتخاذ المسكر من التمر و العنب لا يعد من الارتزاق الحسن بل الارتزاق الحسن هو تناول التمر و العنب على حالتهما الطبيعية.
إن هذه الآية: أعطت هزة ذكيّة للعقول و هيّأت الطبائع المنحرفة لمرحلة أقوى في مسيرة تحريم الخمر حتى يتسنى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يشدد من نبرته، و يعلن عن طريق آية اخرى أنّ النفع المادي القليل، الذي تعود به الخمر و يأتي به القمار، ليس بشيء بالقياس الى أضرارهما الكبرى و أخطارهما العظيمة، و قد تم الكشف عن هذه الحقيقة في قوله تعالى:
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» [٣].
(٢) و لا ريب أن مجرد المقارنة بين النفع و الضرر، و كذا الوقوف على زيادة الضرر على النفع كاف لايجاد النفور و الاشمئزاز لدى العقلاء، و الداعين من الخمر و ما شاكلها، و شابهها.
إلّا أن جماهير الناس و عامتهم لن يقلعوا عن هذه العادة الشريرة المتجذرة ما لم يسمعوا نهيا صريحا و قاطعا عنها.
فها هو عبد الرحمن بن عوف رغم نزول هذه الآية قد استضاف جماعة من الصحابة و أحضر على المائدة خمرا، فأكلوا، و شربوا الخمر، ثم قاموا الى الصلاة، فأخطأ أحدهم في القراءة و هو سكران خطأ غيّر من مراد اللّه تعالى في ما قرأ من
[١] أي ما يسكر.
[٢] النحل: ٦٧.
[٣] البقرة: ٢١٩.