تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢١٧ - ١- تحريم الخمر
(١) و لقد كانت معاقرة الخمور من الآفات التي كانت متفشية و متجذرة في المجتمع العربي في شبه الجزيرة العربيّة بحيث كانت معالجتها تحتاج الى وقت طويل، و اسلوب مدروس، و لم تكن الظروف و الاحوال في ذلك العهد لتسمح بأن يعلن رسول الاسلام عن تحريم الخمر دفعة واحدة و من دون آية مقدمات، و ممهّدات لذلك، بل كان يتحتم عليه أن يعالج هذا الوباء الاجتماعيّ من خلال إعداد الناس لمرحلة التحريم النهائي و القطعي تماما كما يفعل الطبيب بالنسبة إلى المرضى الذين طال بهم المرض، و تجذر.
من هنا حرّمت الخمر في أربع مراحل تدريجية ضمن آيات أربع أظهرت الاستياء من الخمر لكن لا على نمط واحد، بل بدأت من مرحلة مخفّفة حتى انتهت إلى مرحلة الاعلان عن التحريم القطعي.
(٢) إنّ التمعن في هذه الآيات تكشف لنا عن كيفيّة الاسلوب النبويّ في التبليغ و الإرشاد، و الدعوة و الهداية، و ينبغي للخطباء، و الكتاب أن يتبعوا هذا الاسلوب المؤثر و المفيد في معالجة الأدواء الاجتماعية المزمنة، و يكافحها بهذا الشكل حتى يحصلوا على أفضل النتائج.
إن الشرط الاساسي لمكافحة ناجحة لأيّ خلق و سلوك فاسد هو إيقاظ المجتمع و إيقافه أوّلا على أضرار ذلك السلوك، و مفاسده، و تذكيره بآثاره السيئة ليحصل لدى المجتمع- بذلك- الاستعداد الروحي بل و الدافع الباطني إلى خوض معركة أساسية و جذرية ضدّ ذلك السلوك الفاسد، و الخلق الذميم، و يكون الناس هم الضمانة لا نجاح هذه المهمة. و ذلك لأن ردّ المعتاد عن عادته كالمعجز كما في الحديث الشريف [١].
كيف و العرب كانوا يعشقون الخمرة حتى أن الرجل منهم ربما كان يوصي بأن يدفن الى جنب كرمة لتسقى عظامه بالخمر.
يقول أحدهم:
[١] مفاتيح الغيب: ج ٢ ص ٢٦٣.