تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٩٠ - وري وري
إذا أنَا لم أُومَنْ عليكَ و لم يَكُنْ # لِقاؤُكَ إلاَّ مِنْ وَراءُ وَراءُ [١]
و قولُهم: وَراءَك أَوْسَعُ، نُصِبَ بالفِعْل المُقَدَّرِ، أَي تَأَخَّر، انتَهَى.
و ١٦- في حديثِ الشَّفاعَةِ : «يقولُ إبراهيمُ إنِّي كنتُ خَلِيلاً مِن وَراءَ وَراءَ » . هكذا يقالُ مَبْنيّاً على الفَتْح، أَي مِن خَلْف حِجابٍ.
و في الأساس: قيلَ للمُخَبَّل: قاوِمِ الزِّبْرقان، فقالَ:
هو أَنْدَى مني صَوْتاً و أَكْثَرُ رِيقاً، و لا أَقومُ له بالمُواجَهَةِ و لكنْ دَعوني أُهادِيه الشِّعْرَ مِن وَراءُ وَراءُ .
أوْ لا ، أَي: ليسَ بضِدِّ، لأَنَّه بمعْنًى واحِدٍ، و هو ما تَوارَى عَنْك يكونُ خَلْف و يكونُ قُدَّام و إليه ذَهَبَ الزجَّاج و الآمِدِي في المُوازَنَةِ.
و قد ذَكَرَ المصنّفُ هذا اللَّفْظ في المَهْموزِ و جَزَمَ بأنَّه مَهْموزُ. و وهم الجَوْهرِي في ذِكْره هنا، و تَراهُ قد تَبِعَه من غَيْرِ تَنْبِيه عليه، و هو غَرِيبٌ و جَزَمَ هناك بالضِّدِيَّة كالجَوْهرِي، و هنا ذَكَرَ القَوْلَيْن و ذَكَرَ هناك تَصْغيرَ وَراء و أَهْمَلَه هنا، و هو قُصُورٌ لا يَخْفى، ثُم قولهُ: لأنَّه بمعْنًى و هو ما تَوارَى عنك، فيه تأمّل. و الذي صَرَّح به المُحقِّقون أنَّه في الأصْلِ مَصْدَر جُعِلَ ظَرْفاً فقد يُضافُ إلى الفاعِلِ فيُرادُ به ما يُتوارَى به و هو خَلْف، و إلى المَفْعولِ فيُرادُ به ما يُواريه و هو قُدَّام، فانَظُر ذلك.
و الوَراءُ أَيْضاً: وَلَدُ الوَلَدِ ، سَبَقَ ذِكْرُه في الهَمْزِ، و به فَسَّر الشَّعْبي قولَه تعالى: وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ [٢]
و ١٧- في حديثِه : أنَّه رأَى مع رجُلٍ صَبِيّاً فقالَ: هذا ابْنُك؟ قالَ: ابنُ ابني، قالَ: هو ابْنُك مِن الوَرَاءِ .
و وَرِيَ المُخُّ، كوَلِيَ يَرِي وَرْياً : اكْتَنَزَ ؛ نقلَهُ الجَوْهرِي.
و في الأساس: وَرَى النِّقْيُ وَرْياً : خَرَجَ منه وَدَكٌ كثيرٌ؛ و هو مجازٌ. و ممَّا يُسْتدرَكُ عليه:
الوَرَى ، كفَتًى: داءٌ يصيبُ الرَّجُلَ و البَعيرَ في أجْوافِهِما، مَقْصورٌ يُكْتَبُ بالياءِ.
يقالُ في دُعاءٍ للعَرَبِ به الوَرَى و حُمَّى خَيْبَر و شَرُّ ما يُرَى فإنَّه خَنْسَرَى [٣] ؛ و كانَ أبَو عَمرو [٤] الشَّيْباني و الأصْمعي يقولان: لا نَعْرِفُ الوَرَى من الدَّاءِ، بفَتْح الرَّاء، و إنَّما هو الوَرْيُ ، بِتَسْكين الرَّاء.
و قالَ أَحمدُ بنُ عُبيدٍ: الدَّاءُ هو الوَرْيُ ، بتَسْكِين الراءِ، فصُرِفَ إلى الوَرَى .
و قال ثَعْلب: هو بالتَّسْكِين المَصْدَر، و بالفَتْح الاسْم.
و قالَ يَعْقوب: إنَّما قالوا الوَرَى للمُزاوَجَةِ، و قد يقولونَ فيها ما لا يقولونَ في الإفْرادِ؛ كلُّ ذلكَ نقلَهُ القالِي و مِثْله للأزْهرِي.
و قد وَرِيَ الرَّجلُ فهو مَوْرُوٌّ ، و بعضُهم يقولُ: مَوْرِيٌّ .
و يقالُ: وَرَّى الجُرْحَ سابرَه [٥] تَوْرِيَةً : أَصابَهُ الوَرْيُ ؛ قال العجَّاج:
عن قُلُبٍ ضُجْمٍ تُوَرِّي مَنْ سَبَرْ [٦]
كأنَّه يُعْدِي من عِظَمِه و نُفور النَّفْسِ عنه؛ كذا في الصِّحاح.
قُلْتُ: هكذا أَنْشَدَه الأصْمعي للعجَّاج يَصِفُ الجراحات [٧] و صَدْرُه:
بَينَ الطِّراقَيْنِ و يَفْلِينَ الشَّعَرْ
أَي إنْ سَبَرها إنْسانٌ أَصابَهُ منه الوَرْيُ من شِدَّتِها.
و قالَ ابنُ جَبَلة: سَمِعْتُ ابنَ الأعْرابِي يقولُ في قولهِ
[١] اللسان و الصحاح.
[٢] سورة هود الآية ٧١.
[٣] كذا بالأصل «خنسرى» عن ابن دريد، من الخناسير و هي الدواهي، و في اللسان: خيسرى، فيعلى من الخسران.
[٤] عن اللسان، و بالأصل «أبو عمر» .
[٥] في اللسان: «سائره» و الأصل كالصحاح.
[٦] الصحاح و التهذيب و اللسان و قبله فيه:
بين الطراقين و يفلين الشعر.
[٧] عن اللسان و التهذيب و بالأصل «الخراجات» .