القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ١٠ - مقدمة التحقيق
للاستفادة، و انّ ببطلان البعض لا يعني إلغاء الكلّ.
و أنا أبحث فيه لمست منتهى الدّقة، و وقفت و تأملت في مدى التواضع الذي كان عليه هذا المحقق، فغايته الفضيلة و رغبته في الحقيقة العلميّة، فلا يريد أن ينتصر لقوله و يتفوّق لنفسه، و إنّما للعلم و للعلم فقط، بل إنّما يتفانى في كل وجوده لأجل ذلك، فانظر إليه في بعض المطالب و هو يقول: فتأمل في أطراف هذا الكلام و معانيه و تعمّق النظر في غمار مقاصده و مبانيه، و لا تنظر الى تفرّدي به كأكثر مقاصد الكتاب، و لا تلحظ إليه بعين الحقارة و إليّ بعين العتاب، ثم بعد ذلك فإمّا قبولا و إمّا إصلاحا و إمّا عفوا و اللّه الموفّق للصواب.
و قد ترى اليوم من يمكن القول انّه في طور المراهقة العلمية أو من آنس من نفسه علما قليلا ليستشكل على هذا المحقّق أو ذاك المارد في العلم و الفضل و ليتعالى في الميادين العلمية أو غيرها، و تأخذه الكلمات و النظريّات ليظهر من نفسه علما و قدرة، و إذا ما أحسّ من آخر سكوتا من غير بكم ظنّه عجزا.
فما أكثر في هذا الزّمان الابتداع و الادّعاء، و أكثر منه من يتلقاه بالقبول و يروّج له في الأسواق كما يروّج للسّلع الباطلة لأجل المصالح الفاسدة، و العياذ باللّه العظيم من ذلك.
و يبقى القول: بأنّ هذا الكتاب لا يحتاج الى مزيد من الترويج له، فحضوره يبقى قويّا عند أهل الخبرة و المعرفة، و قد ذاكرني أحد المدرّسين الكبار فقال فيه:
إنّ مطالب كتاب «القوانين» تفتح الذّهن و توقّده. و سمعت و كما ينقل و مصدره الصدور كما في المثال بالفارسيّة: (از سينه به سينه) أنّ طبيبا نصرانيّا بعد أن أطلع على كتاب «القوانين» و قدرة صاحبه فيه على الدقّة في التحقيق قال: إنّ صاحب هذا المؤلّف سوف تتأخّر حاسة سمعه في أواخر عمره لكثرة تفكره، لما كان قد أبداه في تحقيقه لمطالب هذا السّفر القيّم؛ و هذا الذي تحقّق و صار.