الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٥٧ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
مزّقت بنو اميّة كلّ ممزق، و شتّت الدّهر شملهم و فرّق، و حرّق بنار البأس لباسهم و خرّق، و طالما رقص الدّهر لهم و صفق، فلقد كانت ثغور آمالهم بواسم، و غرر أيامهم بصنوف اللّهو مواسم.
و قد سلط اللّه تعالى المختار بن عبيد اللّه الثّقفي حين خرج على عبدا
لملك ابن مروان فتتبع قتلة الحسين حتّى أفناهم [١]، فأرسل جيشا على
[١] لسنا بصدد دراسة حياة المختار، و ثورته، و ثورة التّوابين، و آراء العلماء، و أهل السّير، و التّأريخ، بل نحن بصدد تحقيق الإتحاف بحبّ الأشراف للشبراوي، و لكن رغم ذلك نعطي نبذة مختصرة عن حياة هذا الرّجل. فهو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثّقفي، أبو إسحاق، من زعماء الثّائرين على بني أميّة، و أحد الشّجعان الأفذاذ، من أهل الطّائف، انتقل منها إلى المدينة مع أبيه، في زمن عمر بن الخطاب، و توجه أبوه إلى العراق، فاستشهد يوم الجسر، و بقي المختار في المدينة منقطعا إلى بني هاشم. و تزوج عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أخته (صفية بنت أبي عبيد)، ثم كان مع عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه، و سكن البصرة بعد عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه، و لمّا قتل الحسين رضى اللّه عنه سنة (٦١ ه)، انحرف المختار عن عبيد اللّه بن زياد (أمير البصرة)، فقبض عليه ابن زياد و جلده، ثم حبسه، ثم نفاه بشفاعة عبد اللّه بن عمر بن الخطاب إلى الطّائف، و لمّا مات يزيد بن معاوية في المدينة سنة (٦٤ ه) قام عبد اللّه ابن الزّبير في المدينة بطلب الخلافة، و ذهب المختار إليه و عاهده، و شهد معه بداية حرب الحصين بن النّمير، ثم استأذنه في التّوجه إلى الكوفة ليدعو النّاس إلى طاعته، فوثق به، و أرسله و وصى عليه.
غير أنّه كان أكبر همّه منذ دخل الكوفة أن يقتل من قاتلوا (الحسين رضى اللّه عنه) و قتلوه ...
ثم بايعه زهاء سبعة عشر ألف رجلا سرا، فخرج بهم على والي الكوفة عبد اللّه بن مطيع، فغلب عليها، و استولى على الموصل، و عظم شأنه، و تتبع قتلة الحسين رضى اللّه عنه، فقتل منهم شمر بن ذي الجوشن الّذي باشر قتل الحسين، و خوليّ بن يزيد الّذي سار برأسه إلى الكوفة، و عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الّذي حارب الحسين رضى اللّه عنه، فأرسل إليهم إبراهيم بن مالك الأشتر النّخعي في عسكر كثيف إلى عبيد اللّه بن زياد، الّذي جهز الجيش لحرب الحسين رضى اللّه عنه، فقتل ابن زياد، و قتل كثير ممن كان لهم ضلع في تلك الجريمة، و كان يرسل بعض الأموال إلى صهره ابن عمر، و إلى ابن عباس، و إلى محمّد بن الحنفية فيقبلونه، و لكن شاعت في النّاس أخبار عنه كثيرة من ادعاء الوصية، و نزول الوحي،-