الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - المهاجرون الأوّل في الإسلام
جعفر: فلكم في أعناقنا دماء تطالبونا بذخول بها؟
عمرو: لا.
جعفر: فما تريدون منّا؟ آذيتمونا فخرجنا من دياركم، ثمّ قال:
«نعم أيّها الملك خالفناهم بعث اللّه فينا نبيّا أمرنا بخلع الأنداد و ترك الاستقسام بالأزلام، و أمرنا بالصّلاة و الزّكاة، و حرّم الظلم و الجور و سفك الدّماء بغير حقّها، و الزنا و الربا و الميتة و الدّم و لحم الخنزير، و أمرنا بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و نهانا عن الفحشاء و المنكر و البغي».
فقال النّجاشي: بهذا بعث اللّه عيسى، ثمّ قال النجاشي لجعفر:
هل تحفظ ممّا أنزل اللّه على نبيّك شيئا؟
قال جعفر: نعم، فقرأ سورة مريم، فلمّا بلغ قوله: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا قال: هذا و اللّه هو الحقّ.
فقال عمرو: إنّه مخالف لنا فردّه إلينا.
فرفع النجاشي يده و ضرب بها وجه عمرو و قال: اسكت، و اللّه لئن ذكرته بعد بسوء لأفعلنّ بك و قال: ارجعوا إلى هذا هديته، و قال لجعفر و أصحابه: امكثوا فإنّكم آمنون.
كان لهذا الحدث أثر بالغ بعيد المدى، ففضلا عمّا كان له من أثر إعلامي عميق في تعريف الإسلام لجمع من أهل الحبشة، فإنّه شد من عزيمة المسلمين في مكّة و حملهم على الاطمئنان و الثقة بقاعدتهم في الحبشة لإرسال المسلمين الجدد إليها، إلى أن يشتد ساعدهم و تقوى شوكتهم.
و مضت سنوات، و هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى المدينة، و ارتفع شأن الإسلام، و تمّ التوقيع على صلح الحديبية، و توجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لفتح خيبر، و في ذلك اليوم الذي كان فيه المسلمون يكادون يطيرون فرحا لتحطيمهم أكبر قلعة للأعداء اليهود، فإذا بهم يشهدون من بعيد قدوم جمع من الناس صوبهم، ثمّ ما لبثوا حتى عرفوا أن أولئك لم يكونوا سوى المهاجرين الأوائل إلى الحبشة و قد عادوا في