الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - حجب لا تقبل الاختراق
و الحواجز، فلا هم يسمعون حقيقة من الحقائق، و لا هم يدركون الأمور إدراكا صحيحا.
سبق أن قلنا مرارا أنّ نسبة هذه الأمور إلى اللّه، إنّما هو إشارة إلى قانون «العلة و المعلول» و خاصية «العمل»، أي أنّ أثر الاستمرار في الانحراف و الإصرار على المعاندة و التشاؤم يظهر في اتصاف نفس الإنسان بهذه المؤثرات، و في تحولها إلى مثل المرآة المعوجة التي تعكس صور الأشياء معوجة منحرفة، لقد أثبتت التجربة أنّ المنحرفين و المذنبين يحسون أوّل الأمر بعدم الرضا عن حالهم، و لكنّهم يعتادون ذلك بالتدريج، و قد يصل بهم الأمر إلى اعتبار أعمالهم القبيحة لازمة و ضرورية، و بتعبير آخر: هذا واحد من أنواع العقاب الذي يناله المصّرون على العصيان و معاداة الحقّ.
و هؤلاء وصلوا حدّا تصفه الآية فتقول: وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، بل الأكثر من ذلك أنّهم عند ما يأتون إليك، لا يفتحون نوافذ قلوبهم أمام ما تقول، و لا يأتون- على الأقل- بهيئة الباحث عن الحقّ الذي يسعى للعثور على الحقيقة و التفكير فيها، بل يأتون بروح و فكر سلبيين، و لا هدف لهم سوى الجدل و الاعتراض: حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ أنّهم عند سماعهم كلامك الذي يستقي من ينابيع الوحي و يجري على لسانك الناطق بالحقّ، يبادرون إلى اتهامك بأنّ ما تقوله إنّما هو خرافات اصطنعها أناس غابرون: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
الآية التّالية تذكر أنّ هؤلاء لا يكتفون بهذا، فهم مع ضلالهم يسعون جاهدين للحيلولة دون سلوك الباحثين عن الحقيقة هذا الطريق بما يشيعونه و يروجونه من مختلف الأكاذيب، و يمنعونهم أن يقتربوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ، و يبتعدون عنه بأنفسهم: وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ [١]، دون أن يدركوا أنّ من يصارع الحقّ
[١]- «ينأون» من «نأى» بمعنى ايتعد.