الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - التّفسير
فتقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [١] و لكنّها تشترط لتلك التقوى و الإيمان و العمل الصالح: إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، ثمّ تكرر ذلك ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا و للمرّة الثالثة تكرر الآية بقليل من الاختلاف ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا، و تنتهي بالتوكيد وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
هنالك كلام كثير بين المفسّرين القدامى و المحدثين حول هذا التكرار، فبعض يراه للتوكيد و يقول: أنّ أهمية التقوى و الإيمان و العمل الصالح تقتضي الإعادة و التكرار و التوكيد.
إلّا أنّ جمعا آخر من المفسّرين يعتقدون أنّ كلّ جملة من هذه الجمل المكررة تشير إلى حقيقة منفصلة عن الأخرى، و أنّ هناك احتمالات متعددة بشأن اختلاف كل جملة عن الأخرى، و لكن معظم هذه الاحتمالات لا يقوم عليها دليل أو شاهد.
و لعل خير ما قيل بهذه الخصوص هو قولهم: أنّ المقصود بالتقوى في المرّة الاولى هو ذلك الإحساس الداخلي بالمسؤولية و الذي يسوق الإنسان نحو البحث و التدقيق في الدين، و مطالعة معجزة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و البحث عن اللّه، فتكون نتيجة ذلك الإيمان و العمل الصالح، و بعبارة أخرى: إذا لم يكن في الإنسان شيء من التقوى فإنّه لا يتجه إلى البحث عن الحقيقة، و عليه فإن ورد كلمة «التقوى» لأوّل مرّة في هذه الآية إشارة إلى هذا المقدار من التقوى، و ليس في هذا تناقض مع بداية الآية التي تقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... لأنّ الإيمان هنا يمكن أن يكون بمعنى التسليم الظاهري، بينما الإيمان الذي يحصل بعد التقوى هو الإيمان الحقيقي.
و تكرار التقوى للمرّة الثّانية إشارة إلى التقوى التي تنفذ إلى أعماق الإنسان
[١]- تطلق كلمة عام «الطعام» على المأكولات غالبا، و لكنّها قد تطلق على المشروبات أيضا، كما جاء في الآية (٢٤٩) من سورة البقرة: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي.