الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - أدلة التوحيد في السموات
تبيّن أولا أنّ اللّه كما عرّف إبراهيم على أضرار عبادة الأصنام عرّفه على مالكية اللّه و سلطته المطلقة على السموات و الأرض: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [١].
«الملكوت» من «ملك» بمعنى المالكية و الحكم و «الواو» و «التاء» أضيفتا للتوكيد و المبالغة، فالمقصود من الكلمة هنا حكومة اللّه المطلقة على عالم الوجود برمته.
و لعل هذه الآية إجمال للتفصيل الوارد في الآيات التّالية بشأن الكواكب و القمر و الشمس و إدراك أنّها من المخلوقات لدى مشاهدة أفولها.
أي أنّ القرآن بدأ بذكر مجمل تلك الحالات، ثمّ أخذ يفصلها، و بهذا يتّضح المقصود من إراءة ملكوت السموات و الأرض لإبراهيم عليه السّلام.
كما أنّه في الختام يقول إنّ الهدف من ذلك هو أن يصبح إبراهيم من أهل اليقين: وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
لا شك أنّ إبراهيم كان موقنا يقينا استدلاليا و فطريا بواحدانية اللّه، و لكنّه بدراسة أسرار الخلق بلغ يقينه حد الكمال، كما أنّه كان مؤمنا بالمعاد و يوم القيامة، و لكنّه بمشاهدة الطيور المذبوحة التي عادت إليها الحياة بلغ إيمانه مرحلة «عين اليقين».
الآيات التّالية تشرح هذا المعنى، و تبيّن استدلال إبراهيم من أفول الكواكب و الشمس على عدم الوهيتها، فعند ما غطى ستار الليل المظلم العالم كلّه، ظهر أمام بصره كوكب لامع، فنادى إبراهيم: هذا ربّي! و لكنّه إذ رآه يغرب، قال: لا أحبّ الذين يغربون: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ.
[١]- و على هذا، هناك محذوف مقدار في الآية يدل عليه ما في الآيات السابقة، فيكون مضمون الآية: كما أرينا إبراهيم قبح ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام كذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات و الأرض (تأمل بدقة).