الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - التّفسير
التّفسير
في هذه الآية يأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يسأل أهل الكتاب عن سبب اعتراضهم و انتقادهم للمسلمين، و هل أنّ الإيمان باللّه الواحد الأحد و الإعتقاد بما أنزل على نبي الإسلام و الأنبياء الذين سبقوه يجابه بالاعتراض و الانتقاد، حيث تقول الآية:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ... [١].
و تشير هذه الآية- أيضا- إلى جانب آخر من جوانب صلف و وقاحة اليهود و تطرفهم غير المبرر، و نظرتهم الضيقة الآحادية الجانب التي دفعت بهم إلى الاستهانة بكل شخص و دين غير أنفسهم و دينهم، و هم لتطرفهم ذلك كانوا يرون الحقّ باطلا و الباطل حقّا.
و تأتي في آخر الآية عبارة تبيّن علّة الجملة السابقة، حيث تبيّن أن اعتراض اليهود و انتقادهم للمسلمين الذين آمنوا باللّه و بكتبه، ما هو إلّا لأنّ أكثر اليهود من الفاسقين الذين انغمسوا في الذنوب، و لذلك فهم- لانحرافهم و تلوثهم بالآثام- يعيبون على كل انسان ظاهر اتباعه للصواب و سيره في طريق الحقّ حيث تؤكّد الآية: وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ.
و بديهي أنّ المقاييس في محيط موبوء بالفساد و الفسق، تنقلب- أحيانا- بحيث يصبح الحقّ باطلا و الباطل حقا، و يصبح العمل الصالح و الإعتقاد النزيه شيئا قبيحا مثيرا للاعتراض و الانتقاد، بينما يعتبر كل عمل قبيح شيئا جميلا جديرا بالاستحسان و المديح، و هذه هي طبيعة المسخ الفكري الناتج عن الانغماس في الخطايا و الذنوب إلى درجة الإدمان.
و تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الآية تنتقد جميع أهل الكتاب، و واضح أنّها
[١]- إنّ كلمة «تنقمون» مشتقة من المصدر «نقمة» و تعني في الأصل إنكار شيء معين نطقا أو فعلا كما تأتي بمعنى إيقاع العقاب أو الجزاء.