الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٦ - التّفسير
فقال له: إن شئت أصبح الصفا ذهبا، و لكن إنّ لم يصدقوا عذبتهم، و إن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «بل يتوب تائبهم» فأنزل اللّه تعالى الآيتين.
التّفسير
وردت في الآيات السابقة أدلة كثيرة كافية على التوحيد، و ردّ الشرك و عبادة الأصنام، و مع ذلك فإنّ فريقا من المشركين المعاندين المتعصبين لم يرضخوا للحق، و راحوا يعترضون و ينتقدون، من ذلك أنّهم أخذوا يطلبون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم القيام بخوارق عجيبة و غريبة يستحيل بعضها أساسا (مثل طلب رؤية اللّه)، زاعمين كذبا أنّ هدفهم من رؤية تلك المعجزات هو الإيمان، في الآية الأولى، يقول القرآن: أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها [١].
و في الردّ عليهم يشير القرآن إلى حقيقتين: يأمر النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوّلا أن يقول لهم:
قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ، أي أن تحقيق المعجزة لا يكون وفق مشتهياتهم، بل إنّها بيد اللّه و بأمره.
ثمّ يخاطب المسلمين البسطاء الذين تأثروا بإيمان المشركين فيقول لهم:
وَ ما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [٢] مؤكدا بذلك أنّ هؤلاء المشركين كاذبون في قسمهم.
كما أنّ مختلف المشاهد التي جرت بينهم و بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تؤكّد حقيقة
[١]- «الجهد» بمعنى السعي و بذل الطاقة، و المقصود هنا الجهد في توكيد القسم.
[٢]- المفسّرون غير متفقين على «ما»، أ هي استفهامية أم نافية؟ و كذلك فيما يتعلق بتركيب الجملة، بعضهم يقول إنّ «ما» استفهامية استنكارية، و لو كانت كذلك لكان معنى الآية: أنّى لكم أن تعلموا إنّهم لا يؤمنون إن رأوا معجزة، أي إنّه قد يؤمنون، و هذا خلاف ما تريده الآية، لذلك اعتبر بعضهم «ما» نافية، و هو الأقرب إلى الذهن، فيكون معنى الآية: أنتم لا تعلمون إنّهم حتى إذا تحققت لهم المعجزات لا يؤمنون، و على ذلك يكون فاعل «يشعر» مقدر بمعنى «شيء» و للفعل «يشعر» مفعولان «كم» و أَنَّها ... (تأمل بدقّة).