الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٠ - المصلحون يواجهون الصعاب دائما
حصلت مشكلة فأنّا المقصود بها، لا أنت» و بهذا يسعى إلى مواساة صاحبه و التهوين عليه.
ثمّة مفسّرون يرون للآية تفسيرا آخر، لكن ظاهر الآية هو هذا الذي قلناه، و لكن لا بأس من معرفة هذا الاحتمال القائل بأن معنى الآية هو: إنّ الذين يعارضونك هم في الحقيقة مؤمنون بصدقك و لا يشكون في صحة دعوتك، و لكن الخوف من تعرض مصالحهم للخطر هو الذي يمنعهم من الرضوخ للحق، أو أنّ الذي يحول بينهم و بين التسليم هو التعصب و العناد.
يتبيّن من كتب السيرة أنّ الجاهليين- بما فيهم أشدّ المعارضين للدّعوة- كانوا يعتقدون في أعماقهم بصدق الدعوة، و من ذلك ما
روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك، فقال: و اللّه إني لأعلم أنّه صادق، و لكنا متى كنّا تبعا لعبد مناف! (أي أنّ قبول دعوته سيضطرنا إلى اتباع قبيلته).
و ورد في كتب السيرة أنّ أبا جهل جاء في ليلة متخفيا يستمع قراءة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كما جاء في الوقت نفسه أبو سفيان و الأخنس بن شريق، و لا يشعر أحد منهم بالآخر فاستمعوا إلى الصباح، فلمّا فضحهم الصبح تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر ما جاء به، ثمّ تعاهدوا أن لا يعودوا، لما يخافون من علم شبان قريش بهم لئلا يفتتنوا بمجيئهم، فلمّا كانت الليلة الثّانية جاء كل منهم ظانا أنّ صاحبيه لا يجيئان لما سبق من العهود، فلمّا أصبحوا جمعتهم الطريق مرّة ثانية فتلاوموا، ثمّ تعاهدوا أن لا يعودوا، فلمّا كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودا لمثلها، ثمّ تفرقوا فلمّا أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثمّ خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: اخبرني- يا أبا حنظلة- عن رأيك فيما سمعت من محمّد؟
قال: يا أبا ثعلبة، و اللّه لقد سمعت أشياء أعرفها، و أعرف ما يراد بها، و سمعت أشياء، ما عرفت معناها و لا ما يراد بها.
قال الأخنس: و أنا و الذي حلفت به.