الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦ - التّفسير
لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ ....
فالقرآن بالإضافة إلى تصديقه الكتب السماوية السابقة، اشتمل- أيضا- على دلائل تتطابق، مع ما ورد في تلك الكتب، فكان بذلك حافظا و صائنا لها.
إنّ الكتب السماوية جاءت كلها متناسقة في المبادئ و الهدف الواحد الذي تبنى تربية الإنسان و السمو به إلى مراتب الكمال المعنوي و المادي، على الرغم من الفوارق الموجودة بين هذه الكتب و التي تنبع من مقتضى التكامل التدريجي للإنسان، حيث أن كل شرعة جديدة ترتقي بالإنسان إلى مرحلة أسمى من مراحل الرقي و الكمال الإنساني، و تشتمل على خطط و برامج أكثر شمولا و تطورا، و الإتيان بعبارة: مُهَيْمِناً عَلَيْهِ بعد جملة مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يدل على هذه الحقيقة، أي أنّ القرآن في الوقت الذي يصدّق الكتب السابقة، يأتي في نفس الوقت ببرامج و خطط أكثر شمولا للحياة.
ثمّ تؤكّد على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انطلاقا من الحقيقة المذكورة- ضرورة الحكم بتعاليم و قوانين القرآن بين الناس، حيث تقول فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ....
و قد اقترنت هذه الجملة بالفاء التفريعية، فتدلّ على شمولية أحكام الإسلام بالنسبة لأحكام الشرائع السماوية الأخرى، و لا تعارض هنا بين هذا الأمر و بين ما سبق من أمر في أية سابقة و التي خيرت النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين الحكم بين اليهود أو تركهم لحالهم، لأنّ هذه الآية ترشد النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- إن هو أراد أن يحكم بين أهل الكتاب- إلى أنّ عليه أن يحكم بتعاليم و قوانين القرآن بينهم.
ثمّ تؤكّد عليه أن يبتعد عن أهواء و ميول أهل الكتاب، الذين يريدون أن يطوعوا الأحكام الإلهية لميولهم و رغباتهم، و أن ينفذ ما نزل عليه بالحق، حيث تقول الآية: وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ....
و لأجل إكمال البحث تشير الآية إلى أن كل ملّة قد أفردت لها شرعة و نظام