الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧ - التّفسير
للحياة يهديها إلى السبيل الواضح، حيث تقول: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً ....
و كلمة «شرع» أو «الشريعة» تعني الطريق الذي يؤدي إلى الماء و ينتهي به، و اطلاق كلمة «الشريعة» على الدين لأن الدين ينتهي بحقائق و تعاليم هدفها تطهير النفس الإنسانية و ضمان الحياة السليمة للبشرية، أمّا كلمة «النهج» أو «المنهاج» فتطلقان على الطريق الواضح.
نقل (الراغب) في كتابه (المفردات) عن ابن عباس قوله بأنّ الفرق بين كلمتي «الشرعة» و «المنهاج» هو أنّ الاولى تطلق على كل ما ورد في القرآن، و أن المنهاج يطلق على ما ورد في سنّة النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (و هذا الفرق مع كونه جميلا، إلّا أنّنا لا نملك دليلا جازما لتأييده) [١].
ثمّ تبيّن الآية أنّ اللّه لو أراد أن يجعل من جميع أبناء البشر أمّة واحدة، تتبع دينا و شرعة واحدة لقدر على ذلك، لكن هذا الأمر يتنافى مع قانون التكامل التدريجي، و حركة مراحل التربية المختلفة، فتقول: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ....
و جملة لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ .. إشارة إلى ما قلناه سابقا من أنّ اللّه قد أودع لدى أفراد البشر استعدادات و كفاءات تنمو في ظل الاختبارات و في ضوء تعاليم الأنبياء، فعند ما يطوي بنو الإنسان مرحلة معينة، يجعلهم اللّه في مرحلة أسمى و حين تنتهي مرحلة تربوية يأتي اللّه بمرحلة تربوية أخرى على يد نبي آخر، كما يحصل بالضبط للمراحل التعليمية التي يمرّ بها الشاب في مدرسته.
[١]- يعتقد البعض من كبار المفسّرين بوجود فرق بين «الدّين» و «الشريعة» و يقولون بأنّ الدين هو مبدأ التوحيد و المبادئ الأخرى المشتركة بين جميع الديانات، لذلك يكون الدين واحدا في كل الأحوال و الأزمنة، و الشريعة هي القوانين و الأحكام و التعاليم التي تختلف أحيانا بين ديانة و أخرى لكنّنا لا نمتلك- أيضا- دليلا واضحا يؤيد هذا القول، لأن هاتين الكلمتين استخدمتا في الكثير من الموارد للدلالة على معنى واحد.