الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - التّفسير
لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ.
في الحقيقة إنّ المسلمين يستطيعون- انطلاقا من المفهوم الواسع لقوله: قِياماً لِلنَّاسِ- أن يصلحوا كل أمورهم بالركون إلى هذا البيت و في إطار تعاليم الحج البناءة.
و لما كانت هذه المناسك يجب أنّ تجري في جو آمن و خال من الحروب و المنازعات و المخاصمات، فقد أشارت الآية إلى أثر الأشهر الحرم (و هي الأشهر التي تمنع فيها الحرب مطلقا) و قالت: وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ [١] كما أشارت إلى الأضاحي الفاقدة للعلامة (الهدي) و الأضاحي ذات العلامة (القلائد) التي منها يطعم الناس في موسم الحج، و تؤمن جانبا من احتياجات الحاج للقيام بمناسكه، فقالت: وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلائِدَ.
و لمّا كان مجموع هذه الأحكام و القوانين و التشريعات بشأن الصيد، و كذلك بشأن حرم مكّة و الشهر الحرام و غير ذلك، يحكي عمق تدبير الشارع وسعة علمه تقول الآية: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. بناء على ما مرّ بناء في تفسير هذه الآية يتّضح الارتباط بين بدايتها و نهايتها، إذ أنّ هذه الأحكام التشريعية لا يستطيع أن ينظمها إلّا من كان عليما بأعماق القوانين التكوينية، فالذي لا علم له بدقائق شؤون السماء و الأرض و بما استقرّ في روح الإنسان و جسمه عند خلقه، لا تكون له القدرة على تقرير أحكام كهذه، فالقانون الصحيح السليم هو ذاك الذي ينسجم مع قانون الخلق و الفطرة.
الآية التّالية تؤكّد تلك التشريعات، و تحث الناس على إتباعها و تهدد المخالفين و العاصين فتقول: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
و لعل تقديم شَدِيدُ الْعِقابِ على غَفُورٌ رَحِيمٌ إشارة إلى أنّ عقاب اللّه الشديد يمكن إطفاؤه بماء التوبة و الدخول في رحمة اللّه و غفرانه.
و مرّة أخرى تؤكّد الآية على أنّ الناس هم المسؤولون عن أعمالهم، و أنّ
[١]- مرّ ذكر الأشهر الحرم في تفسير الآية (١٩٤) من سورة البقرة، ارجع إلى المجلد الثّاني من هذا التّفسير.