الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٤ - التملّص من المسؤولية بحجة «الجبر»
و تطلق «الحجة» على الطريق الذي يقصده الإنسان، و يطلق على البرهان و الدليل «الحجة» أيضا، لأنّ القائل يقصد إثبات مدعاه للآخرين عن طريقه.
و مع ملاحظة لفظة «بالغة» يتّضح أنّ الأدلة التي أقامها اللّه للبشر عن طريق العقل و النقل و بواسطة العلم و الفكر، و كذا عن طريق إرسال الأنبياء واضحة لا لبس فيها من جميع الجهات، بحيث لا يبقى أي مجال للترديد و الشك لأحد، و لهذا السبب نفسه عصم اللّه سبحانه أنبياءه من كل خطأ ليبعدهم عن أي نوع من أنواع التردد و الشك في الدعوة و الإبلاغ.
ثمّ يقول في ختام الآية: و لو شاء اللّه أن يهديكم جميعا بالجبر لفعل: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ.
و في الحقيقة فإنّ هذه الجملة إشارة إلى أنّ في مقدور اللّه تعالى أن يجبر جميع أبناء آدم على الهداية، بحيث لا يكون لأحد القدرة على مخالفته، و لكن في مثل هذه الصورة لم يكن لمثل هذا الإيمان و لا للأعمال التي تصدر في ضوء هذا الإيمان الجبري القسري أية قيمة، إنّما فضيلة الإنسان و تكامله في أن يسلك طريق الهداية و التقوى بقدميه و بإرادته و إختياره.
و على هذا الأساس لا منافاة أصلا بين هذه الجملة و الآية السابقة التي ورد فيها نفي الجبر.
إنّ هذه الجملة تقول: إنّ إجبار الناس الذي تدّعونه أمر ممكن و مقدور للّه تعالى، و لكنّه لن يفعله قط، لأنّه يخالف الحكمة و ينافي المصلحة الإنسانية.
و كان المشركون قد تذرّعوا بالقدرة و المشيئة الإلهيتين لاختيار مذهب الجبر، على حين أن القدرة و المشيئة الآلهيتين حق لا شبهة فيهما، بيد أنّ نتيجتهما ليست هي الجبر و القسر، بل إنّ اللّه تعالى أراد أن نكون أحرارا، و أن نسلك طريق الحق باختيارنا و بمحض إرادتنا.
جاء في كتاب الكافي عن الإمام الكاظم عليه السّلام أنّه قال: