الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٥ - التملّص من المسؤولية بحجة «الجبر»
«إنّ للّه على الناس حجّتين حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة، و أمّا الباطنة فالعقول» [١].
و
جاء في أمالي الصّدوق عن الإمام الصّادق عليه السّلام لمّا سئل عن تفسير قوله تعالى: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أنه قال:
«إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالما، فإن قال: نعم، قال له: أ فلا عملت بما علمت؟ و إن قال: كنت جاهلا، قال له: أ فلا تعلّمت حتى تعمل؟
فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة» [٢].
إنّ من البديهي أنّ المقصود من الحديث المذكور ليس هو أنّ الحجّة البالغة منحصرة في حوار اللّه تعالى مع عباده يوم القيامة، بل إنّ للّه حججا بالغة عديدة من مصاديقها ما جاء في الحديث المذكور من الحوار بين اللّه و بين عباده، لأن نطاق الحجج الإلهية البالغة واسع يشمل الدنيا و الآخرة.
و في الآية التّالية- و لكي يتضح بطلان أقوالهم، و مراعاة لأسس القضاء و الحكم الصحيح- دعا المشركين ليأتوا بشهدائهم المعتبرين لو كان لهم، لكي يشهدوا لهم بأنّ اللّه هو الذي حرّم الحيوانات و الزروع التي ادّعوا تحريمها، لهذا يقول: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا.
ثمّ يضيف قائلا: إذا كانوا لا يملكون مثل هؤلاء الشهداء المعتبرين (و لا يملكون حتما) بل يكتفون بشهادتهم و ادّعائهم أنفسهم فقط، فلا تشهد معهم و لا تؤيدهم في دعاويهم: فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ.
اتضح ممّا قيل إنّه لا تناقض قطّ في الآية لو لوحظت مجموعة، و أمّا مطالبتهم بالشاهد في البداية ثمّ أمره تعالى بعدم قبول شهاداتهم، فلا يستتبع إشكالا، لأنّ المقصود هو الإشعار بأنّهم عاجزون عن إقامة الشهود المعتبرين
[١]- تفسير نور الثقلين، ج ١، ص ٧٧٤.
[٢]- تفسير نور الثقلين، ج ١، ص ٧٧٦.