الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٠ - التّفسير
و جدير بالملاحظة أنّ هذه الآية تعبر عن خلق الإنسان بالإنشاء، و الكلمة لغويا تعني الإيجاد و الإبداع مع التربية، أي أنّ اللّه قد خلقكم و تعهد بتربيتكم، و من الواضح أنّ الخالق الذي يخلق شيئا ثمّ يهمله لا يكون قد أبدى قدرة فائقة، و لكنّه إذا استمر في العناية بمخلوقاته و حمايتها، و لم يغفل عن تربيتها لحظة واحدة، عندئذ يكون قد أظهر حقّا عظمته وسعة رحمته.
بهذه المناسبة ينبغي ألا نتوهّم من قراءة هذه الآية، أنّ أمّنا الأولى حواء قد خلقت من آدم (كما جاء في الفصل الثّاني من سفر التكوين من التّوراة)، و لكن آدم و حواء خلقا من تراب واحد، و كلاهما من جنس واحد و نوع واحد، لذلك قال: إنّهما خلقا من نفس واحدة، و قد بحثنا هذا الموضوع في بداية تفسير سورة النساء.
ثمّ يقول: إنّ فريقا من البشر «مستقر» و فريقا آخر «مستودع» فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ.
«المستقر» أصله من «القر» (بضم القاف) بمعنى البرد، و يقتضي السكون و التوقف عن الحركة، فمعنى «مستقر» هو الثابت المكين.
و «مستودع» من «ودع» بمعنى ترك، كما تستعمل بمعنى غير المستقر و الوديعة هي التي يجب أن تترك عند من أودعت عنده لتعود إلى صاحبها.
يتّضح من هذا الكلام أنّ الآية تعني أنّ الناس بعض «مستقر» أي ثابت، و بعض «مستودع» أي غير ثابت، أمّا المقصود من هذين التعبيرين، فالكلام كثير بين المفسّرين، و بعض التفاسير تبدو أقرب إلى الآية كما أنّها لا تتعارض فيما بينها.
من هذه التفاسير القول بأنّ «مستقر» صفة الذين كمل خلقهم و دخلوا «مستقر الرحم» أم مستقر وجه الأرض، و «المستودع» صفة الذين لم يكتمل خلقهم بعد و إنّما هو ما يزالون نطفا في أصلاب آبائهم.