الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٧ - سؤال
ثمّ يأتي باستدلال آخر على المشركين، فيقول: إذا عدنا إلى عبادة الأصنام، بعد الهداية الإلهية نكون قد رجعنا القهقهري، و هذا يناقض قانون التكامل الذي هو قانون حياتي عام: وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ [١].
ثمّ يضرب مثلا لتوضيح الأمر، فيقول: إنّ الرجوع عن التوحيد إلى الشرك أشبه بالذي أغوته الشياطين (أو غيلان البوادي التي كان عرب الجاهلية يعتقدون أنّه تمكن في منعطفات الطرق و تغوي السابلة و تضلهم عن الطريق) فتاه عن مقصده و ظل حيرانا في الباديّة: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ بينما له رفاق يرشدونه إلى الصراط السوي المستقيم و ينادونه: هلم إلينا، و لكنّه من الحيرة و التيه بحيث لا يسمع النداء، أو إنّه غير قادر على اتخاذ القرار: لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا [٢].
و في الختام يؤمر النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقول: إنّ الهداية من اللّه و ليس لنا إلّا أن نسلم لأمر اللّه ربّ العالمين: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
و هذا دليل آخر على رفض دين المشركين، إذ التسليم لا يكون إلّا لخالق الكون و مالكه و ربّ عالم الوجود، لا الأصنام التي لا دور لها في إيجاد هذا العالم و إدارته.
سؤال:
يبرز هنا هذا السؤال: لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل البعثة من أتباع دين المشركين فكيف تقول الآية: نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا و نحن نعلم أنّه لم يسجد قط
[١]- «أعقاب» جمع «عقب» و هو مؤخر الرجل، و رجع على عقبه بمعنى انثنى راجعا، و هو هنا كناية عن الانحراف عن الهدف، و هو ما يطلق عليه اليوم اسم «الرجعية».
[٢]- «استهوته» من «الهوى» و هو ميل النفس إلى الشهوة، و استهوته بمعنى حملته على إتباع الهوى، و «الحيرة» هي التردد في الأمر، و في الأصل: الجيئة و الذهاب، فالآية تشير إلى الذين يذهبون من الإيمان إلى الشرك مستلهمين تحركاتهم من الشيطان.