الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٧ - أعظم الشّاهدين
لسان» [١].
كما أنّ من أصول الفقه المسلم بها هو مبدأ «قبح العقاب بلا بيان» و هذا ما تفيده الآية المذكورة.
فقد ثبت في أصول الفقه أنّه ما دام الحكم لم يبلغ شخصا، فإنّه لا يتحمل مسئولية تنفيذه (إلّا إذا كان مقصرا في استيعاب الحكم)، فهذه الآية تقول بأنّ الذين تصلهم الدعوة يتحملون مسئوليتها، أمّا الذين لم تصلهم الدعوة، بدون تقصير، فلا مسئولية عليهم.
في تفسير (المنار) رواية عن أبيّ بن كعب قال: أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى الإسلام؟ قالوا: لا، فخلى سبيلهم، ثمّ قرأ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ، ثمّ قال: خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل أنّهم لم يدعوا [٢].
و من هذه الآية نفهم- أيضا أنّ إطلاق كلمة «شيء» على اللّه جائز، إلّا أنّه شيء لا كالأشياء المخلوقة المحدودة، بل هو خالق و لا تحده حدود.
ثمّ أمر اللّه رسوله أن يسألهم: أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى.
و يأمره أن: قُلْ لا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
ذكر العبارات الأخيرة في الآية له هدف نفسي هام، و هو أنّ المشركين قد يتصورون حدوث تزلزل في نفس النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أثر كلامهم، فيتركون المجلس آملين، و يبشرون أصحابهم بإمكان أن يعيد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم النظر في دعوته.
فهذه الجمل الصريحة الحاسمة تقضي على أمل المشركين و تحيله إلى يأس، و تبيّن لهم أنّ الأمر أعظم ممّا يظنون، و أنّه لم يداخله أدنى شك في دعوته، و لقد دلت التجارب على أنّ ذكر أمثال هذه العبارات الجازمة و الحاسمة في ختام كل
[١]- تفسير «البرهان»، و تفسير «نور الثقلين»، ج ١، ص ٧٠٧ ذيل الآية.
[٢]- تفسير «المنار»، ج ٧، ص ٣٤١.