الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٤ - أسرار الغيب
لن تكون يوما في متناول يد الإنسان.
إنّ سقوط الورقة- في الحقيقة- هو لحظة موتها، بينما سقوط البذرة في مكمنها من الأرض هو لحظة بدء حياتها، و ما من أحد غير اللّه يعلم بنظام هذا الموت و هذه الحياة، و حتى أنّ كل خطوة تخطوها البذرة نحو حياتها و انبعاثها و تكاملها خلال اللحظات و الساعات، جلية في علم اللّه.
إنّ لهذا الموضوع أثرا «فلسفيا» و آخر «تربويا»:
أمّا أثره الفلسفي، فينفي رأي الذين يحصرون علم اللّه بالكليات، و يعتقدون أنّه لا يعلم عن الجزئيات شيئا، و في الآية هنا تأكيد على أنّ اللّه يعلم الكليات و الجزئيات كلها.
أمّا أثره التربوي فواضح، لأنّ الإيمان بهذا العلم الواسع للّه يقول للإنسان: إنّ جميع أسرار وجودك، و أعمالك، و أقوالك و نياتك، و أفكارك كلّها بيّنة أمام اللّه، فإذا آمن الإنسان حقّا بهذا، فكيف يمكن له أن لا يكون رقيبا على نفسه و يسيطر على أعماله و أقواله و نياته! و في ختام الآية يقول تعالى: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
تبيّن هذه العبارة القصيرة سعة علم اللّه اللامحدود و إحاطته بكل الكائنات بدون أي استثناء، إذ أن «الرطب» و «اليابس» لا يقصد بهما المعنى اللغوي، بل هما كناية عن الشمول و العمومية.
و للمفسّرين آراء متعددة في معنى: «كتاب مبين»، و لكنّ الأقوى أنّه كناية عن علم اللّه الواسع، أي انّ كل الموجودات مسجلة في علم اللّه اللامحدود، كما أنّه تفسر بكونه «اللوح المحفوظ» نفسه، إذ لا يستبعد أن يكون اللوح المحفوظ هو صفحة علم اللّه.
و ثمّة احتمال آخر عن معنى «كتاب مبين» و هو أنّه عالم الخلق و سلسلة العلل و المعلولات التي كتب فيها كل شيء.