الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - الصاق تهمة عظيمة بأبي طالب مؤمن قريش
تابعا لمدرسة التوحيد، و إلّا فكيف ينهى الآخرين عن مصاحبة المشركين، و يبقى هو على حبّه العميق لأبي طالب؟
٥- في الأحاديث التي وصلتنا عن أهل البيت عليهم السّلام أدلة وافرة على إيمان أبي طالب و إخلاصه، و لا يسع المجال هنا لذكرها، و هي أحاديث تستند إلى الاستدلال المنطقي و العقلي، كالحديث
المنقول عن الإمام زين العابدين عليه السّلام الذي قال- بعد أن سئل عن إيمان أبي طالب و أجاب الإيجاب-: «إنّ هنا قوما يزعمون أنّه كافر .. وا عجبا كل العجب! أ يطعنون على أبي طالب أو على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد نهاه اللّه أن تقرّ مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن (أي في أكثر من آية) و لا يشك أحد أن فاطمة بنت أسد رضي اللّه تعالى عنها من المؤمنات السابقات، فإنّها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي اللّه عنه» [١].
٦- و إذا تركنا كل هذا جانبا، فاننا قد نشك في كل شيء إلّا في حقيقة كون أبي طالب كان على رأس حماة الإسلام و رسول الإسلام، و كانت حمايته تتعدى الحدود المألوفة بين أبناء العشيرة و العصبيات القبلية و لا يمكن تفسيرها بها.
و من الأمثلة الحيّة على ذلك حكاية (شعب أبي طالب) يجمع المؤرخون على أنّه عند ما حاصرت قريش النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين محاصرة اقتصادية و اجتماعية و سياسية شديدة و قطعت علائقها بهم، ظل أبو طالب الحامي و المدافع الوحيد عنهم مدّة ثلاث سنوات ترك فيها كل أعماله، و سار ببني هاشم إلى واد بين جبال مكّة يعرف بشعب أبي طالب فعاشوا فيه، و قد بلغت تضحياته حدا أنّه، فضلا عن بنائه الأبراج الخاصّة للوقوف بوجه أي هجوم قد تشنه قريش عليهم، كان في كل ليلة يوقظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من نومه و يأخذه إلى مضجع آخر يعده له و يجعل ابنه الحبيب إليه عليا عليه السّلام في مكانه، فإذا ما
قال له ابنه علي عليه السّلام: يا أبة، إنّ هذا سيوردني موارد الهلكة،
أجابه أبو طالب عليه السّلام: ولدي عليك بالصبر، كل حي إلى ممات، لقد
[١]- كتاب «الحجة» و «الدرجات الرفيعة» نقلا عن «الغدير» ج ٨، ص ٣٨٠.