الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - سبب النّزول
فأنزل اللّه الآية.
بعض مفسّري أهل السنة، مثل صاحب تفسير (المنار) يورد حديثا أشبه بذاك، ثمّ يقول: إنّ عمر بن الخطاب كان حاضرا و اقترح على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقبل عرض هؤلاء الملأ من قريش، ليتبيّن مدى صدق قولهم؟ فنزلت الآيتان في رفض اقتراحه.
ينبغي ألّا يغرب عن البال أنّ ذكر سبب نزول بعض آيات هذه السورة لا يتنافى مع نزول السورة كلها في مكان واحد، فقد سبق أن قلنا إنّ من الممكن أن تقع حوادث مختلفة في أوقات مختلفة قبل نزول السورة، ثمّ تنزل السورة بشأن تلك الحوادث.
يلزم هنا أن نذكر أنّه جاء في رواية أنّ الملأ من قريش- حينما رفض رسول اللّه عرضهم- اقترحوا عليه شيئا آخر، و قالوا له: لو نحيت هؤلاء حتى نخلو بك ... فإذا انصرفنا، فإذا شئت أعدتهم إلى مجلسك، فأجابهم النّبي إلى ذلك، فقالوا له: اكتب لنا بهذا على نفسك كتابا، فدعا بصحيفة و أحضر عليا ليكتب، فنزل جبرائيل بالآية تنهى عن ذلك.
غير أنّ هذه الرواية، على الرغم من كونها لا تنسجم مع روح تعاليم الإسلام التي رفضت دوما المساومة في مثل هذه الحالات، و أكّدت باستمرار على وحدة المجتمع الإسلامي، فإنّها لا تنسجم مع الآية السابقة: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ فكيف يمكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبول الاقتراح دون انتظار للوحي.
ثمّ إنّ عبارة وَ لا تَطْرُدِ في بداية الآية تدل على أنّهم قد طلبوا طرد أولئك، لا التناوب معهم، و البون شاسع بين طلب الطرد و طلب التناوب، و هذا يدل على أنّ سبب نزول الآية هو ما أوردناه أوّلا.