الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٩ - حقد اليهود و مودّة النصارى
اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فاليهود- و إن كانوا من أصحاب الكتب السماوية- بلغت شدة تعلقهم بالمادة و حبّهم لها أن انخرطوا في سلك المشركين الذين لم يكن يربطهم بهم أي وجه شبه مشترك، مع أن اليهود في البداية كانوا من المبشرين بمجيء الإسلام و لم تكن قد دخلتهم انحرافات كالتثليث و الغلو اللذين كانا عند المسيحيين، غير أن حبّهم للدنيا حبّ عبادة قد أبعدهم عن الحقّ، بينما معاصروهم المسيحيون لم يكونوا على هذه المشاكلة.
إلّا أنّ التّأريخ القديم و المعاصر يقول لنا: أنّ المسيحيين في القرون التي أعقبت ذلك قد ارتكبوا بحق الإسلام و المسلمين جرائم لا تقل عمّا فعله اليهود في هذا المجال.
إنّ الحروب الصليبية الطّويلة و الدّموية في القرون الماضية، و الاستفزازات الكثيرة التي يقوم بها الاستعمار ضد الإسلام و المسلمين اليوم غير خافية على أحد، لذلك ليس لنا أن نأخذ الآيات المذكورة مأخذ قانون عام بالنسبة لجميع المسيحيين، بل إنّ الآية: إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ... و ما بعدها دليل على إنّها نزلت بحق جمع من المسيحيين الذين كانوا يعاصرون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
الآيتان الأخيرتان فيهما إشارة إلى مصير هاتين الطائفتين و إلى عقابهما و ثوابهما، أولئك الذين أظهروا المودة للمؤمنين و خضعوا لآيات اللّه و أظهروا إيمانهم بكل شجاعة و صراحة: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ [١].
و أمّا أولئك الذين ساروا في طريق العداء و العناد فتقول الآية عنهم: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.
[١]- «أثابهم» من الثواب، و هي في الأصل بمعنى العودة و ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله.