الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - حقد اليهود و مودّة النصارى
أثيرت ضد المسلمين كان لليهود ضلع فيها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، و لم يتورعوا عن التوسل بأية وسيلة للتآمر، و قليل منهم اعتنق الإسلام، و لكننا قلّما نجد المسلمين يواجهون المسيحيين في غزواتهم، كما أنّ الكثيرين منهم التحقوا بصفوف المسلمين.
ثمّ يعزوا القرآن هذا الاختلاف في السلوك الفردي و الاجتماعي إلى وجود خصائص في المسيحيين المعاصرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم تكن موجودة في اليهود:
فأوّلا كان بينهم نفر من العلماء لم يسعوا- كما فعل علماء اليهود- إلى إخفاء الحقائق ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ [١].
ثمّ كان منهم جمع من الزهاد الذين تركوا الدنيا، و هي النقطة المناقضة لما- كان يفعله بخلاء اليهود الجشعين.
و على الرغم من كلّ انحرافاتهم كانوا على مستوى أرفع بكثير من مستوى اليهود: «و رهبانا».
و كثير منهم كانوا يخضعون للحق، و لم يتكبروا، في حين كان معظم اليهود يرون أنّهم عنصر أرفع، فرفضوا قبول الإسلام الذي لم يأت على يد عنصر يهودي:
وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ.
ثمّ إنّ نفرا منهم كانوا إذا استمعوا لآيات من القرآن تنحدر دموعهم مثل من صحب جعفر من الأحباش لأنّهم يعرفون الحقّ إذا سمعوه: وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ.
فكانوا ينادون بكل صراحة و شجاعة، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
لقد كان تأثرهم بالآيات القرآنية من الشدة بحيث أنّهم كانوا يقولون: وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ.
سبق أن قلنا إنّ هذه المقارنة كانت بين اليهود و النصارى المعاصرين لرسول
[١]- «القسيس» تعريب لكلمة سريانية تعني الزعيم و الموجه الديني عند المسيحيين.