الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٠ - التّفسير
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
ثمّ في الآية اللاحقة يبيّن الأزواج الأربعة الأخرى من الأنعام التي خلقها اللّه للبشر، إذ يقول: و خلق من الإبل ذكرا و أنثى، و من البقر ذكرا و أنثى، فأي واحد من هذه الأزواج حرّم اللّه عليكم: الذكور منها أم الإناث؟ أم ما في بطون الإناث من الإبل و البقر: وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟! و حيث أن الحكم بتحليل هذه الأنعام و تحريمها إنّما هو بيد اللّه خالقها و خالق البشر و خالق العالم كله، من هنا يتوجّب على كلّ من يدّعي تحليل أو تحريم شيء منها، إمّا أن يثبت ذلك عن طريق شهادة العقل، و إمّا أن يكون قد أوحي له بذلك، أو يكون حاضرا عند النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند صدور هذا الحكم منه.
و لقد صرّح في الآية السابقة بأنّه لم يكن لدى المشركين أي دليل علميّ أو عقليّ على تحريم هذه الأنعام، و حيث أنّهم لو يدّعوا أيضا نزول الوحي عليهم، أو النبوة، فعلى هذا يبقى الاحتمال الثالث فقط، و هو أن يدّعوا أنّهم حضروا عند أنبياء اللّه و رسله يوم أصدروا هذه الأحكام، و لهذا يقوم اللّه لهم في مقام الإحتجاج عليهم: هل حضرتم عند الأنبياء و شهدتم أمر اللّه لهم بتحليل أو تحريم شيء من هذه الأنعام: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا؟! و حيث إنّ الجواب على هذا السؤال هو الآخر بالنفي و السلب، يثبت أنّهم ما كانوا يمتلكون في هذا المجال إلّا الافتراء، و لا يستندون إلّا إلى الكذب.
و لهذا يضيف في نهاية الآية قائلا: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [١].
فيستفاد من هذه الآية أن الافتراء على اللّه من أكبر الذنوب و الآثام، إنّه ظلم
[١]- ثمّة احتمالات عديدة حول ما هو متعلق بالجار و المجرور في قوله: «بغير علم»، و لكن لا يبعد أن يكون هذا الظرف متعلقا بفعل: «يضل» يعني أنّهم بسبب جهلهم يضلون الناس.